سلطان بن ناصر القاسمي
أثناء تصفحي لأحد مواقع التواصل الاجتماعي استوقفتني عبارة قصيرة تقول: "جزء من النص مفقود"، كانت في ظاهرها رسالة تقنية عابرة، لكنها دفعتني إلى التأمل في كثير من المواقف التي نعيشها في حياتنا اليومية. فكم من حكم أصدرناه لأن جزءًا من الحقيقة كان غائبًا، وكم من خلاف نشأ لأن جزءًا من الرسالة لم يصل، وكم من قرار اتخذناه اعتمادًا على صورة لم تكن مكتملة.
ومَنْ تأمَّل الحياةَ وجد أن كثيرًا من الحقائق لا تظهر دفعة واحدة، بل تتكشف شيئًا فشيئًا. فما نراه اليوم قد يكون مجرد بداية المشهد، وما نسمعه قد يكون جزءًا من الحكاية لا كلها. ولهذا تتغير نظرتنا إلى بعض الأشخاص والمواقف مع مرور الزمن، لأن الأيام تضيف تفاصيل جديدة لم تكن حاضرة في البداية، فنكتشف أن ما اعتقدناه نصًا كاملًا لم يكن سوى صفحة ينقصها الكثير من السطور.
ولعل من أبلغ الأمثلة على ذلك ما قصّه الله علينا في قصة موسى والخضر عليهما السلام. فقد رأى موسى عليه السلام خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار أمورًا يصعب فهم حكمتها في ظاهرها، فاستنكرها لأنها بدت له ناقصة المعنى ومخالفة لما يعرفه من الحق. لكن عندما اكتملت الصورة في نهاية الرحلة، ظهرت الحكمة التي كانت غائبة عن نظره في البداية. وهذه القصة تعلمنا أن بعض المواقف لا يمكن الحكم عليها من أول مشهد، وأن ما نراه أحيانًا ليس سوى جزء من النص، بينما تبقى بقية السطور مخفية حتى يحين وقت ظهورها.
ولعل كل واحد منا مرّ بتجربة مشابهة في حياته؛ موقف ضايقه في حينه ثم اكتشف لاحقًا أنه كان سببًا في خير لم يكن يتوقعه، أو بابًا أُغلق فحزن عليه طويلًا ثم أدرك بعد سنوات أن الله صرف عنه به شرًا لم يكن يراه. عندها فقط نفهم أن الحياة لا تكشف لنا جميع صفحاتها دفعة واحدة، وأن كثيرًا مما نحزن عليه أو نستعجل الحكم عليه قد يكون مجرد سطر قرأناه قبل أن يكتمل النص.
وعندما نجلس للحوار مع الآخرين، خصوصًا في الموضوعات التي يترتب عليها اتخاذ قرار أو بناء موقف، فإن الكلمات وحدها لا تكفي. فنجاح الحوار يعتمد على عوامل عديدة؛ منها اختيار الوقت المناسب، والحالة النفسية المناسبة، والألفاظ الدقيقة التي تنقل المعنى كما أُريد له أن يُفهم. فقد تكون الفكرة صحيحة، لكن طرحها في توقيت غير مناسب يجعلها مرفوضة، وقد تكون الرسالة واضحة في ذهن صاحبها، لكنها تصل إلى الطرف الآخر ناقصة أو مشوهة بسبب انفعال أو سوء فهم أو افتراضات مسبقة. عندها يكون جزء من النص مفقودًا، فتضيع الرسالة ويبدأ الخلاف.
ولا يقتصر الأمر على الحوارات والعلاقات الإنسانية، بل يمتد إلى مشاريعنا وأهدافنا وطموحاتنا. فكثيرًا ما نخطط للأعمال والفعاليات والمبادرات بعناية، ونظن أننا أحطنا بكل التفاصيل، ثم يكشف لنا الواقع أثناء التنفيذ أمورًا لم تكن في الحسبان. ليس لأن التخطيط كان ضعيفًا بالضرورة، وإنما لأن التجربة أظهرت جوانب لم تكن واضحة من قبل، وكأنها أجزاء من النص لم تكن مرئية إلا بعد بدء القراءة الفعلية للواقع.
وهكذا هي الحياة في مختلف شؤونها؛ في العمل، والتجارة، والتربية، والعلاقات الاجتماعية. نبدأ الطريق معتقدين أننا نعرف كل شيء، ثم تكتشفنا التجربة قبل أن نكتشفها، فنجد أن هناك تفاصيل غابت عنا، أو معلومات لم نمتلكها، أو ظروفًا لم نضعها في الحسبان. وكلما ازدادت خبرة الإنسان أدرك أن النجاح لا يعتمد فقط على ما يعرفه، بل على قدرته في البحث عمّا لا يعرفه.
إن الحكمة لا تكمن في الاعتقاد بأن النص مكتمل دائمًا، وإنما في إدراك احتمال وجود جزء مفقود منه. فالعاقل يتأنى قبل الحكم، ويتثبت قبل القرار، ويترك مساحة للمراجعة والتعلم، لأنه يعلم أن ما يراه اليوم قد لا يكون الصورة الكاملة، وأن ما خفي عنه قد يكون أكثر تأثيرًا مما ظهر له.
ولعل من أهم أسباب النجاح في الحياة أن نتحلى بالتواضع الفكري؛ فنستمع أكثر، ونسأل أكثر، ونتأكد أكثر، وندرك أن الوصول إلى الحقيقة الكاملة يحتاج إلى جمع أكبر قدر ممكن من التفاصيل قبل إصدار الأحكام أو اتخاذ القرارات.
فكم من خلاف كان سببه معلومة ناقصة، وكم من مشروع تعثر بسبب تفصيل صغير أُهمل، وكم من علاقة اهتزت لأن معنىً لم يصل كاملًا. وفي المقابل، كم من نجاح تحقق عندما اكتملت الصورة، واجتمعت التفاصيل، وغاب ذلك الجزء المفقود من النص.
ولعل ما نحتاجه أكثر من أي وقت مضى أن نتذكر أن ما نراه ليس دائمًا كل ما هو موجود، وأن ما نسمعه ليس بالضرورة كل الحقيقة. فقبل أن نحكم، أو نقرر، أو نخطط، أو نختلف مع الآخرين، علينا أن نسأل أنفسنا دائمًا: هل نملك النص كاملًا، أم أن هناك جزءًا ما زال مفقودًا؟
