صالح الغافري
الحياة دار ابتلاء، والكمال لله وحده، وكل إنسان يحمل قصته وتجربته الفريدة. منا من تشتد عليه العواصف فينهض أقوى، ومنا من تتقاذفه أمواج المحن فيتعثر ويبحث عن بصيص من النور. وبين من يصبر ويحتسب ومن يضعف ويستسلم، تتجلى حقيقة الإنسان في مواجهة امتحانات الدنيا، حيث لا ينجو إلا من تمسك بالحق، ولا يضل إلا من اتبع سراب الوهم.
وفي غياب المخارج الواقعية، يظهر تجار الوهم والمشعوذون ليستغلوا حاجة النفوس، فيبيعون الطمأنينة الزائفة ويضاعفون المعاناة. قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل: 65).
هذه الظاهرة لا تشمل الجميع، لكنها تزداد عند من ضعف وعيه أو اشتدت أزماته، فتتحول إلى اقتصاد مظلم يلتهم الأموال ويشتت الأسر. ومع تراكم الضغوط، يتجه بعض الناس إلى الشعوذة طلبًا لوهم، أو الهجرة بحثًا عن طوق نجاة ومتنفس، أو الانطواء في عزلة. وقد ينحرف آخرون نحو الإدمان أو العنف الأسري أو الانحراف السلوكي، وقد يصل الأمر إلى التفكير في الانتحار أو الانعزال الاجتماعي التام. كل ذلك يكشف الحاجة إلى وجود إطار مؤسسي جامع يمنح المواطن طريقًا واضحًا نحو الحل.
وقد أكد مولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم -حفظه الله ورعاه- أن "المواطن هو محور التنمية وغاية العمل الوطني"، وهو ما يجعل المبادرة إلى الحلول ضرورة وطنية تضمن الأمان والاحتواء.
والمواطن هو الثروة الحقيقية للوطن، وبدونه لا تتحقق التنمية ولا يترسخ الاستقرار. ومن هنا تأتي أهمية أن يشعر بالاحتواء والرعاية في إطار أشمل، يضمن له الأمان النفسي والاجتماعي والاقتصادي، والدعم المادي أو المالي إن تطلب الأمر، ويجعله شريكًا فاعلًا في البناء لا مجرد متلقٍ للخدمات.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى وجود مكاتب مؤسسية على أرض الواقع، تكون مرجعية تشخيصية لأي عارض يواجه المواطن، تستمع لصوته وتقرأ همومه، ثم توجهه نحو الحلول وتواكب خطواته حتى يصل إلى الاستقرار المنشود. هذه المكاتب ليست مجرد مقار شكلية، وإنما منظومة متكاملة تجعل صوت المواطن مسموعًا، وتحوّل معاناته إلى مسار نحو العلاج والاحتواء، وتمنحه اليقين بوجود حل لمشكلته، فلا يشعر أنه يطرق بابًا مغلقًا، وإنما بابًا مفتوحًا نحو الأمان والطمأنينة.
هذه المكاتب المؤسسية لا تقتصر على تقديم الحلول فحسب، وإنما ترسخ مبدأ المساواة بين المواطنين في مواجهة تحديات الحياة، فتجعل الجميع سواسية أمام أبوابها دون تمييز، وتبعد الشكوك والمقولات التي نسمعها بين الحين والآخر، مثل: "له ظهر يحميه" أو "له واسطة"، لتؤكد أن الحلول متاحة لكل مواطن على قدم المساواة، وأن العدالة والاحتواء هما أساس العمل المؤسسي. وهي أيضًا تسهم في تقليل البطء الإداري والمواعيد المتباعدة، من خلال السعي لحل ما يمكن حله مباشرة، أو مرافقة المواطن ومتابعته حتى تنتهي مشكلته، بما يضمن سرعة الاستجابة وفاعلية الحلول.
وكما أن التوجه الوطني يسعى إلى إقامة مظلة موحدة للعمل الحكومي، فإننا ندعو أيضًا إلى وجود مظلة واحدة للمكاتب المؤسسية المعنية بالمواطن، لتكون مرجعية واضحة للتشخيص والاستماع إلى قضاياه وهمومه، وإيجاد الحلول الواقعية، بما يضمن حياة كريمة واحتواءً شاملًا في إطار وطني متكامل، انسجامًا مع رؤية "عُمان 2040" التي جعلت محور الإنسان والمجتمع أساسًا لتحقيق الرفاه والحماية الاجتماعية.
ولا شك أن الحكومة تبذل جهودًا كبيرة في هذا المجال، وتقدم خدمات متعددة عبر مؤسساتها ومكاتبها المنتشرة، مثل وزارة التنمية الاجتماعية، ووزارة الصحة، ووزارة العمل، وهيئة حماية المستهلك، وغيرها من الجهات، إضافة إلى لجان التوفيق والمصالحة التي تعمل على تسوية النزاعات بالصلح قبل وصولها إلى القضاء. وفي إطار تعزيز هذه الجهود وتوحيد قنوات التواصل مع المواطن، أطلقت الحكومة أيضًا منصة "تجاوب" الإلكترونية لتلقي المقترحات والشكاوى، وهي خطوة مهمة، غير أن ليس كل المواطنين يتعاملون إلكترونيًا أو يمتلكون القدرة على الوصول إلى هذه المنصات، مما يجعل الحاجة قائمة إلى حلول واقعية وميدانية أكثر قربًا من الناس.
ومع مواكبة العصر وتزايد متطلبات الحياة، لم يعد كافيًا أن تبقى الجهود متفرقة، وإنما أصبح وجود مظلة موحدة أمرًا لا غنى عنه؛ مظلة تجمع الطاقات وتنسق الخدمات وتختصر الطريق أمام المواطن، فلا يضيع بين أبواب متفرقة ولا يتشتت بين مؤسسات متباعدة. لذلك فإن وجود مكاتب ميدانية في المحافظات ضرورة عملية، لأنها تمنح المواطن فرصة لعرض مشكلته وجهًا لوجه، فيشعر بالثقة ويجد الحلول أكثر واقعية واحتواءً.
وهكذا يصبح الاحتواء المؤسسي سياجًا يحمي المواطن من مخاطر الوهم والضياع، ويمنحه طريقًا واضحًا نحو الأمان واليقين. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (طه: 124)، وهذه المعيشة الضنك هي ما يجعل بعض الناس يتعلقون بالقشة بين أوهام الوهم بدل أن يبحثوا عن المخارج في أبواب الحق. فالوطن لا ينهض إلا بمواطنه، والمواطن لا ينهض إلا إذا وجد وطنًا يحتويه ويمنحه اليقين بأن مشكلاته لها حلول واقعية في إطار وطني شامل.
إن هذه الرؤية المتكاملة تعكس وعيًا وطنيًا بأن المواطن هو محور التنمية، وأن العدالة والاحتواء هما ركائز العمل المؤسسي. وهذا ما يجعل المواطن قلب التنمية وروح الوطن.
