أحمد بن محمد العامري
"الرقص على رؤوس الثعابين" عنوان كتاب للمُؤلفة الأمريكية فيكتوريا كلارك تناولت التجربة السياسية للرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح رحمه الله، الذي كان يصف حكم اليمن بأنَّه أشبه بـ"الرقص على رؤوس الثعابين"، في إشارة إلى التعقيدات الهائلة التي تكتنف إدارة السلطة وسط شبكة متداخلة من الولاءات والتحالفات والصراعات.
غير أن هذا الوصف على ما يحمله من دلالات سياسية عميقة، لا يبدو حكرًا على الرئيس صالح وحده؛ فهناك في المشهد العربي شخصية أخرى أتقنت هذا الفن السياسي بمهارة استثنائية، حتى بات من الممكن أن يتبادر اسمها إلى الذهن كلما ذُكر هذا التعبير: وليد جنبلاط الذي رقص على رؤوس الثعابين.
في السياسة اللبنانية؛ حيث تتداخل الطوائف بالأحزاب، والمحلي بالإقليمي، والداخلي بالخارج، لا يكفي أن يكون السياسي ذكيًا أو صاحب نفوذ، بل عليه أن يمتلك قدرة استثنائية على قراءة المتغيرات واستشراف التحولات قبل وقوعها. ومنذ أن ورث وليد جنبلاط الزعامة السياسية عن والده كمال جنبلاط رحمه الله عام 1977، وجد نفسه في قلب واحدة من أكثر البيئات السياسية تعقيدًا في العالم العربي. حرب أهلية طويلة، اجتياحات وحروب، وصاية سورية وخليجية، تدخلات إيرانية وكذلك إسرائيلية وغربية، صعود قوى جديدة، اغتيالات سياسية، وانقسامات حادة لم تتوقف حتى يومنا هذا، وسط هذه العواصف المتلاحقة، لم يكن جنبلاط مجرد شاهد على الأحداث، إنما كان لاعبًا رئيسيًا فيها. وقد تميز عن كثير من السياسيين بقدرته على إعادة تموضعه السياسي كلما تبدلت موازين القوى دون أن يفقد حضوره أو تأثيره. كان يُدرك أن الجمود في السياسة قد يكون شكلًا من أشكال الانتحار السياسي، لذلك اختار المرونة منهجًا والبراغماتية أداة، والواقعية السياسية بوصلةً تقوده في بحر متلاطم الأمواج.
سواء اتفقنا مع وليد جنبلاط أو اختلفنا معه، فإنَّ الحديث عن مهارته السياسية لا يعني تبرير جميع مواقفه أو التغاضي عن أخطاء وقرارات يرى كثيرون أنها أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تعميق أزمات لبنان أو الإضرار بمصالحه في بعض المحطات. فالتقييم الموضوعي للشخصيات السياسية يقتضي الفصل بين الحكم الأخلاقي أو السياسي على مواقفها وبين الاعتراف بقدرتها الاستثنائية على المناورة والبقاء والتأثير. ومن هذا المنطلق، فإنَّ وصف جنبلاط بأنه أحد أمهر "الراقصين على رؤوس الثعابين" لا يُعدّ إشادةً مطلقة بتجربته، بقدر ما هو توصيف لقدرته الفائقة على التعامل مع بيئة سياسية معقدة ومتقلبة.
ولعلَّ ما يميز تجربة جنبلاط أنه لم يتعامل مع السياسة بوصفها صراعًا دائمًا بين الأبيض والأسود، بل باعتبارها مساحة واسعة من التوازنات الدقيقة والتسويات الضرورية. ولذلك كثيرًا ما بدا متناقضًا في مواقفه بالنسبة لخصومه، بينما كان أنصاره يرون في تلك التحولات تعبيرًا عن قدرة استثنائية على حماية موقعه السياسي وبيئته الاجتماعية وسط ظروف شديدة التقلب، وعلى امتداد عقود انتقل جنبلاط بين محاور وتحالفات متعارضة، وخاض مواجهات ثم عقد مصالحات، ورفع سقف خطابه حينًا وخفّضه حينًا آخر، لكنه ظل حاضرًا في قلب المعادلة اللبنانية. ولم يكن بقاؤه مجرد نتيجة لموقعه الطائفي أو الحزبي، بل ثمرة قراءة دقيقة لموازين القوى وإدراك عميق لطبيعة النظام اللبناني القائم على المحاصصة والتسويات أكثر من المواجهات الصفرية.
وإذا كان الرئيس صالح قد خلّد تعبير "الرقص على رؤوس الثعابين" بوصفه توصيفًا لحكم اليمن، فإنَّ وليد جنبلاط جسّد هذا التعبير عمليًا في مسيرته السياسية الطويلة، فالرجل لم يكتفِ بالنجاة من الأزمات، بل نجح في تحويل كثير منها إلى فرص تُعزز موقعه وتضمن استمرارية دوره وتأثيره.
لهذا، قد لا يكون من المبالغة القول إنَّ وليد جنبلاط يمثل أحد أكثر النماذج السياسية العربية تجسيدًا لمعنى "الرقص على رؤوس الثعابين"؛ فبين الحذر والجرأة، وبين الثبات والمرونة، وبين المبادئ ومتطلبات الواقع، استطاع أن يشق طريقه في حقل سياسي مليء بالألغام محافظًا على حضوره لعقود، في إنجاز يصعب تكراره في عالم السياسة العربية المتقلب.
