سُلطان بن خلفان اليحيائي
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]
ليس من الإنصاف أن تُختزل أمةٌ كاملة في حوادث تاريخية عتيقة، أو أن يُصار إلى وزنها بميزان ثابت يُحاكم حاضرها ومستقبلها بمعايير الماضي، مع إغفال صفحات واسعةٍ من تاريخها الزاخر بالعلم والفكر والحضارة. فالتاريخ، إذا قُرئ بعين الإنصاف، لا يروي حكاية صراع دائم، بل يحكي أيضًا قصص التعاون والتبادل والتكامل بين الأمم، وما أكثر الشعوب التي تقاتلت بالأمس ثم أصبحت شريكة في صناعة المستقبل.
لقد جاء الإسلام ليُسقط موازين العصبية الجاهلية، فلم يعد العربي أفضل لأنه عربي، ولا الفارسي أقل لأنه فارسي، وإنما صار التفاضل بالتقوى والعمل الصالح والعلم النافع. ولهذا لم يتردد النبي صلى الله عليه وسلم في أن يرفع من قدر سلمان الفارسي رضي الله عنه بقوله: "سلمان منا أهل البيت"، وهي شهادة تختصر فلسفة الإسلام في بناء الإنسان بعيدًا عن العرق والقومية.
ويؤكد القرآن هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ]الحجرات: 13[؛ فقد جعل التقوى ميزانًا، وأسقط ما سواه من معايير التفاضل.
ومن الإنصاف أن نتذكر أن الحضارة الإسلامية لم يصنعها العرب وحدهم، كما لم يصنعها الفرس وحدهم، وإنما كانت ثمرة تفاعل شعوب متعددة اجتمعت تحت راية الإسلام وجعلت من اللغة العربية وعاءً للعلم والمعرفة. وفي هذا البناء الحضاري كان للفرس إسهام لا يُنكر، كما كان للعرب فضل حمل الرسالة ونشر لغة القرآن، فتكامل الدوران ولم يتعارضا.
فإذا ذُكرت العربية ذُكر سيبويه، الذي وضع أسس علم النحو، حتى قال العلماء إن الناس عيال عليه في هذا الفن. وإذا ذُكرت السنة النبوية حضر الأئمة البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، وهم من كبار من حفظ الله بهم حديث رسوله صلى الله عليه وسلم. وإذا ذُكر الفكر الإسلامي برز الإمام الغزالي والفخر الرازي وغيرهما من الأعلام الذين أثروا العقل الإسلامي بنتاجهم العلمي، حتى أصبح تراثهم ملكًا للأمة كلها لا لقوم دون قوم.
وفي الطب والفلسفة والرياضيات والفلك يبرز ابن سينا والخوارزمي والبيروني وعمر الخيام، وهي أسماء تجاوزت حدود العالم الإسلامي لتصبح جزءًا من التراث العلمي الإنساني، ولا يزال العالم إلى اليوم يستخدم مصطلح "الخوارزميات" المشتق من اسم الخوارزمي، في دلالة واضحة على عمق الأثر الذي تركه في مسيرة الحضارة الإنسانية.
كما أن بلاد فارس عرفت منذ قرون مدنًا مزدهرة، ونظمًا إدارية متقدمة، وصناعات متنوعة، وحركة علمية واسعة، وكان هذا التنوع الحضاري رافدًا من روافد الدولة الإسلامية لا منافسًا لها ولا خصمًا منها. ولم يكن ازدهار الفرس انتقاصًا من العرب، كما أن مجد العرب لا يكتمل بإنكار فضل غيرهم؛ لأن الحضارات العظيمة تقوم على التراكم والتكامل لا على الإقصاء والإلغاء.
ومن هنا فإن تعميم العداء على أمة كاملة بسبب وقائع تاريخية أو خلافات سياسية معاصرة لا ينسجم مع ميزان القرآن ولا مع العقل السليم. فكما يوجد في كل أمة من أحسن، يوجد فيها من أساء، وكما عرف التاريخ العربي صفحات مشرقة عرف أيضًا صفحات مؤلمة، وكذلك الأمر في تاريخ جميع الشعوب. أما إطلاق الأحكام المطلقة فهو لون من ألوان الظلم الذي نهى الله عنه ورسوله.
ولقد أثبت التاريخ الحديث أن الأمم لا تُهزم حين يقل عددها أو تضعف مواردها، وإنما تُهزم حين تنقسم وتستبدل الثقة بالريبة، والحوار بالخصومة، والتعاون بالصراع.
ولم يكن خافيًا أن قوى دولية وإقليمية كثيرة وجدت في الانقسام العربي والإسلامي فرصة لتعزيز نفوذها وحماية مصالحها، فاستثمرت في الخلافات السياسية والمذهبية والقومية حتى تحولت، في أحيان كثيرة، إلى جدران تفصل بين شعوب يجمعها الدين والتاريخ والمصير.
غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده؛ بل تبدأ من الداخل حين نسمح للعصبية أن تتقدم على الحكمة، وللذاكرة الجريحة أن تتغلب على المصلحة المشتركة.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس من كان خصمنا قبل ألف عام؛ بل ماذا قدمنا نحن لأمتنا في هذا العصر؟ وهل يكون طريق النهضة بإحياء العصبيات أم بإحياء العلم والعمل والإنتاج؟
لقد علمنا الإسلام أن القوة تُبنى بالمعرفة، وأن الأمم ترتفع بما تصنعه وتبدعه لا بما تختزنه من أحقاد، وأن المستقبل لا يُكتب لمن يعيش أسيرًا للماضي؛ بل لمن يحسن الاستفادة من دروسه.
وقد حسم النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في خطبة الوداع حين قال: "لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى"، وهي قاعدة لو استقرت في العقول لما بقي مجال لخطاب الكراهية ولا لثقافة الإقصاء، ولأصبح الاختلاف مصدر ثراء لا سببًا للعداء.
إن المستقبل لا ينتظر من يفتش في رماد الخصومات القديمة؛ بل يفسح الطريق لمن يمتلك شجاعة الاعتراف بفضل الآخرين، وحكمة تجاوز الجراح، وإرادة صناعة نهضة يشارك فيها العربي والفارسي والتركي والكردي وسائر شعوب الأمة الإسلامية.
فحين ينتصر العقل على العصبية، والعلم على الجهل، والوحدة على الفرقة، تستعيد الأمة مكانتها الطبيعية بين الأمم، ويصبح قول الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ] آل عمران: 103 [مشروعًا للحياة لا مجرد آية تُتلى.
التاريخ ليس سجنًا نسكنه؛ بل تجربة نتعلم منها، والأمم لا يحفظها الحقد ولا تصنع مجدها العصبيات، وإنما يبنيها العلم، ويقويها العدل، ويجمعها الإيمان بأن الاختلاف في الأصول لا يلغي وحدة المقصد، وأن المستقبل يُصنع بالتعاون لا بالخصومة، وبالإنصاف لا بالإقصاء.
ولعل أعظم وفاء للتاريخ ألا نجعله وقودًا لخصومات الحاضر، وأصدق خدمة للمستقبل ألا نورث أبناءنا ذاكرة الكراهية؛ بل ثقافة المعرفة والإنصاف.
