د. صالح بن ناصر القاسمي
يتفق البشر على اختلاف أجناسهم وأديانهم وثقافاتهم في حقيقة واحدة، وهي أنهم أبناء آدم عليه السلام، وأن الإنسانية تظل القاسم المشترك الذي يجمعهم مهما تعددت بينهم الفوارق. وقد كرم الله الإنسان منذ بداية خلقه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (الإسراء: 70). ومن هذا التكريم الرباني انطلقت المبادئ التي تحفظ للإنسان كرامته وتصون حقوقه وتؤكد مكانته بين سائر المخلوقات.
وقد جاء الإسلام ليؤكد هذه الحقيقة ويجعلها أساسًا للعلاقات بين الناس، فدعا إلى المساواة والعدل والرحمة، وأعلن النبي صلى الله عليه وسلم أن التفاضل بين البشر لا يكون بالعرق أو اللون أو النسب، وإنما بالتقوى والعمل الصالح. ولعل من أهم الأسباب التي دفعت كثيرًا من الشعوب إلى اعتناق الإسلام ما وجدوه فيه من حفظ للكرامة الإنسانية وإنصاف للإنسان بعيدًا عن صور التمييز والظلم التي كانت تعاني منها بعض المجتمعات.
وإذا كانت الإنسانية تبدأ باحترام الإنسان وصون كرامته، فإن آثارها تمتد لتشمل كل ما يحيط بنا من مخلوقات وموارد، لأن الرحمة قيمة لا تتجزأ. فعندما نتأمل تعاليم ديننا الحنيف نجدها تحث على الإحسان إلى الحيوان، والمحافظة على البيئة، وعدم الإسراف في استهلاك الموارد، لأن الإنسان مستخلف في هذه الأرض ومسؤول عن إعمارها لا إفسادها. ومن هنا فإن مفهوم الإنسانية لا يقتصر على التعامل الحسن مع البشر فحسب، بل يشمل كل ما يساهم في استدامة الحياة وحفظ التوازن الذي أوجده الله سبحانه وتعالى في الكون.
إن تكريم الله للإنسان لا يعني أنه فوق النظام الطبيعي أو الأخلاقي، بل إن هذا التكريم يحمّله مسؤوليات عظيمة، يأتي في مقدمتها احترام الإنسان لنفسه وصونها عن كل ما يخالف الفطرة السوية التي فطره الله عليها. كما يقتضي احترام الآخرين وعدم الإضرار بهم جسديًا أو معنويًا، والتزام الأدب في الخطاب والتعامل، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ (البقرة: 83)؛ فالكلمة الطيبة ليست مجرد خلق حسن، بل هي انعكاس حقيقي لما يحمله الإنسان من قيم ومبادئ.
وقد تربى المجتمع العماني عبر تاريخه الطويل على هذه القيم الإنسانية الأصيلة، حتى أصبحت جزءًا من شخصيته وهويته الثقافية. وكثيرًا ما يعبر المقيمون والزائرون عن تقديرهم لما يلمسونه من طيبة الإنسان العماني وأخلاقه واحترامه للآخرين، وهي صفات لم تأت من فراغ، وإنما تشكلت عبر قرون من التعايش والتسامح والانفتاح على مختلف الشعوب والثقافات.
ومن أبرز ما يميز التجربة العمانية تمسكها بمبدأ العدالة وسيادة القانون، باعتباره أساس الاستقرار وضمان الحقوق. فالعدالة لا تفرق بين مواطن ومقيم، ولا بين قوي وضعيف، وإنما تقوم على المساواة أمام القانون، وهو ما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة، ويسهم في توفير بيئة آمنة ومستقرة تشجع على التنمية والاستثمار وتدعم مقومات العيش الكريم.
وعبر تاريخها الطويل عُرفت عُمان بنهجها القائم على السلام والتواصل الحضاري، وسعت في كثير من المحطات إلى بناء الجسور وتعزيز التفاهم بين الشعوب. ولم يكن اهتمامها بالإنسانية مجرد شعارات ترفع، بل ممارسة عملية تجسدت في مواقفها وسياساتها وعلاقاتها الدولية، فكانت حاضرة في كل ما من شأنه تقريب وجهات النظر ونشر قيم الحوار والتعايش.
ولم تكتفِ عُمان بترسيخ هذه القيم داخل حدودها، بل سعت إلى الإسهام في نشرها عالميًا، انطلاقًا من إيمانها بأن الإنسانية هي اللغة المشتركة التي يفهمها الجميع، وأن السلام والاستقرار لا يتحققان إلا من خلال الاحترام المتبادل والتعاون بين الأمم والشعوب. ومن هذا المنطلق جاءت المبادرات العمانية الداعية إلى تعزيز ثقافة الحوار ونبذ الكراهية وترسيخ مبادئ التفاهم الإنساني.
ومن ثمار هذا النهج الإنساني، جاءت "خطة مسقط" التي شاركت في إعدادها ست وأربعون دولة، بهدف تعزيز الاحترام والسلام بين الشعوب، وترسيخ قيم التعايش والتعارف الإنساني، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن التنوع الثقافي والديني يمكن أن يكون مصدر قوة وإثراء متى ما أحسن الإنسان التعامل معه.
ونختتم حديثنا بمقتطف من كلمة معالي الدكتور وزير الأوقاف والشؤون الدينية في الأمم المتحدة، والتي عبّر فيها عن رؤية سلطنة عُمان في المجال الإنساني، حيث قال: "حين قررت بلادي عُمان أن تهدي العالم خطة للتنمية والسلام، لم تصغها بالحبر وحده، ولم تجعلها مجرد وثيقة تُقرأ أو مبادرة تُعلن، لقد كتبتها عُمان على امتداد عقود من التواصل الإنساني والحوار المسؤول والعمل المشترك، وبنتها لبنةً لبنةً من تجارب التعايش والتفاهم والثقة المتبادلة. لقد أثبت التاريخ أن التحدي الذي واجه المجتمعات البشرية لم يكن اختلاف الناس في ثقافاتهم أو أديانهم أو هوياتهم، وإنما كان في كيفية إدارة هذا الاختلاف. فالتنوع حقيقة إنسانية دائمة، أما الصراع فليس قدرًا محتومًا، وبين هذا وذاك تتحدد مسؤولية الإنسان، كما تتحدد مسؤولية القادة والدول والمؤسسات في بناء عالم أكثر استقرارًا وتفاهمًا......".
وستبقى عُمان، بإذن الله تعالى، متمسكة بهذا النهج القائم على تعزيز قيم الإنسانية والدفاع عن السلام والاستقرار، مستندة إلى إرثها الحضاري العريق، وإلى وعي الإنسان العماني الذي جعل من الاحترام والتسامح والتعايش أسلوب حياة، ومن الإنسانية رسالة يحملها إلى العالم أجمع.
