د. إبراهيم بن سالم السيابي
كلما اشتد قيظ الصيف اليوم، عاد بي الحنين إلى عريش القيظ… حيث كانت النخلة حياة لا مُجرد ظل، حين تشتد حرارة الصيف هذه الأيام، ويلجأ الناس إلى أجهزة التكييف هربًا من لهيب الجو، تعود بي الذاكرة إلى زمنٍ مختلف تمامًا من حارتنا، يشبهه كثير من حارات وقرى بلادي. زمنٍ لم تكن فيه الكهرباء متوفرة في مُعظم المناطق، ولم تكن أجهزة التكييف جزءًا من حياة الناس، ومع ذلك كان للصيف نكهة خاصة لا يعرفها إلا من عاشها.
كان القيظ موسمًا ينتظره الناس رغم قسوته. فمع بداية نضوج الرطب تبدأ الحياة في طويان النخيل، وكأنَّ المكان يستيقظ على موعد سنوي لا يتكرر إلا مرة واحدة. ومنذ ساعات الصباح الأولى كانت العائلات تتجه إلى عرشان القيظ المشيدة من سعف النخيل وجذوعه، لتقضي يومها بين الظلال والرطب والعمل، ثم تعود غالبيتها إلى الحارات قبيل الغروب أو بعده بقليل.
كانت رحلة يومية متكررة، لكنها لم تكن مملة أبدًا، بل كانت جزءًا من حياة ممتلئة بالحركة والتواصل. ونظرا لقرب المسافة بين الحارات والطويان كان الناس يقطعون تلك المسافات سيرًا على الأقدام، علماً بأن تلك الحقبة الزمنية لا سيارات متوفرة، ولا وسائل راحة كثيرة، لكن النفوس كانت أكثر رضا، والقلوب أكثر قربًا.
وأذكر كيف كانت الطويان تمتد على مدّ البصر؛ أينما اتجهت رأيت النخيل شامخًا، والخضرة تحتضن المكان من كل جانب خاصة أشجار البيذام المعروفة وبعض الأشجار الأخرى مثل الغاف. وكانت العرشان متناثرة هنا وهناك، يسكنها أصحاب المال- أي أصحاب النخيل، ويجاورهم آخرون استأجروا بعضًا من خرائف النخيل، فيما يُعرف محليًا بـ"طني النخيل" خلال الموسم. ومع ذلك لم يكن أحد يشعر بالغربة عن الآخر؛ فالجميع أبناء مكان واحد، تجمعهم المودة، وتربطهم علاقات أقوى من المصالح وأبقى من الحسابات.
ولم يكن موسم القيظ مجرد انتظار للرطب وأكله، بل كانت معه تبدأ أعمال تحمل أجمل صور التعاون بين الناس. فعندما يحين وقت الجداد تتحول البساتين إلى خلية عمل واحدة؛ الكل يعمل، والكل يشارك، والكل يشعر أن نجاح الموسم نجاح للجميع.
كان الرجال يتعاونون في الجداد وجمع المحصول ونقله، بينما كان للنساء جانبٌ مهم لا يقل مشقة ولا أهمية؛ فإلى جانب أعمالهن اليومية في الطبخ وتدبير شؤون البيت، كنّ يشاركن في موسم التمر، من فرز المحصول وتنقيته، إلى العمل فوق المسطاح حيث يُفرش التمر ليجف تحت أشعة الشمس، ثم تقليبه وتنقيته من الشوائب حتى يكتمل نضجه، في عملٍ متواصل ودقيق يستمر أيامًا.
أما الصبية فكانوا يعيشون أيامًا لا تُنسى وهم يمارسون ما كان يُعرف بـ"الرقاط"، فيجوبون الأرض تحت أشجار النخيل لالتقاط حبات التمر المتساقطة فيما يعرف بالزبيل وهو وعاء مصنوع من سعف النخيل.
كنا نتسابق في جمعها، ورغم حرارة الشمس لم نكن نشعر بثقل العمل. كان همّنا أن ننجز سريعًا لننطلق بعدها إلى اللعب. كانت ضحكات الأطفال تختلط بأصوات الكبار وهم يعملون، وكانت ساعات النهار الطويلة تمضي بخفة لا نفهمها اليوم.
بعد ذلك تُنقل التمور، سواء تلك التي جُمعت من تحت النخيل أو الناتجة عن الجداد، إلى المسطاح حيث تُترك لتجف تحت أشعة الشمس، وهناك تبدأ مرحلة أخرى من العمل المتواصل؛ تنقية وفرزًا واستبعادًا لما لا يصلح، حتى يحين موعد "الكناز.
في يوم الكناز، كانت لحظة الفرحة لا تُوصف حين يرى صاحب الغلّة حجم محصول موسمه وقد اكتمل، سواء فيما يكنز في الجراب أو الجونية. وكان يُقدَّر المحصول بما يُعرف محليًا بـ"البِهار"، وهو مكيال تقليدي لقياس كميات التمر، فتتحول تلك اللحظة إلى شعور بالرضا والفرح بما جادت به النخلة في ذلك الموسم.
ولعل ما بقي في الذاكرة أكثر من التمر نفسه هو ذلك التكافل الجميل الذي كان يحيط بكل هذه الأعمال. لم يكن أحد يعمل وحده، ولم يكن أحد يترك جاره أو قريبه يواجه العمل بمفرده. فإذا احتاج أحد إلى مساعدة وجد من يقف معه دون تردد، وكأنَّ التعاون جزء من طبيعة الحياة نفسها.
وبعد عناء يوم طويل، كان الجميع يعود إلى الحارة، أو كما نقول باللهجة المحلية "يفضّون" إليها. وهناك تبدأ حكاية أخرى؛ مجالس الرجال، وأحاديث النساء، ولعب الأطفال حتى يحل الظلام. كانت الحياة بسيطة في ظاهرها، لكنها غنية بالدفء الإنساني والألفة والتواصل.
اليوم.. حين أبحثُ بعيني عن تلك المشاهد، لا أجدُ إلا القليل. اختفت عرشان القيظ، وتراجعت الطويان، وغابت مساحات واسعة من النخيل، واختفت أشجار الغاف، ورحلت أشجار البيذام التي كانت تمنح المكان روحه وملامحه. ورحلت معها وجوه كثيرة من ذلك الجيل الذي صنع تلك الذكريات، وكأنَّ المكان والناس كانوا حكاية واحدة لا تنفصل.
قد يكون التغير المناخي وشح المياه من الأسباب، وقد يكون التوسع العمراني سببًا آخر، لكن المؤكد أن جزءًا من الذاكرة قد رحل مع تلك الطويان. فقد كانت النخلة أكثر من شجرة، وكانت الطويان أكثر من أرض، وكانت عرشان القيظ أكثر من ظلال؛ كانت حياة كاملة.
وربما لا يعرف الجيل الحالي معنى القيظ كما عرفناه نحن، ولا كيف كانت النخلة مركز حياة يومية تمتد من الرطب إلى الجداد، ومن المسطاح إلى الكناز، ومن التعب إلى الفرح. لكن من حقهم علينا أن نحكي هذه التفاصيل، لأنها ليست ذكريات شخصية، بل جزء من ذاكرة المكان ووجدانه.
لقد مضت تلك الأيام، ولن تعود كما كانت، وهذه سنة الحياة. لكن يبقى من الواجب أن نحافظ على ما تبقى من نخيلنا، وأن نحمي هذا الإرث الجميل للأجيال القادمة.
في الختام، السلام على عرشان القيظ التي جمعت الناس تحت ظلالها، والسلام على طويان النخيل التي احتضنت طفولتنا وذكرياتنا، والسلام على زمنٍ كان بسيطًا في تفاصيله، عظيمًا في معانيه، وسلام على تلك الوجوه التي رحلت.
وأخيرًا.. كُنَّا نظن أننا نذهب إلى الطويان من أجل الرطب، لكننا أدركنا بعد سنوات أن ما نشتاق إليه اليوم ليس طعم الرطب، بل طعم الحياة التي كانت تدور حوله.
