أنور خميس العريمي **
تتضمن العقود الإنشائية في أحكامها عدة طرق لتسوية المطالبات والنزاعات التي لابد من وجودها مسبقاً للمحافظة على العلاقات التعاقدية بين الأطراف إلى إنجاز العقد وإتمام أعمال المشروع على أكمل وجه حسب المواصفات والتصاميم والمتطلبات الإنشائية المحددة من قبل صاحب العمل، لذا تدرجت هذه العقود وبخاصة الدولية منها على سبيل المثال عقود الفيديك (FIDIC Contracts) في الحلول وتسوية المطالبات التعاقدية أولاً بحسب الأحوال والأوضاع قبل تعقدها ثم حل النزاعات الناجمة عنها إذا لم يحصل قبول أو لم يتم التوصل إلى تسوية لدى أي طرف من الأطراف من خلال التقديرات والتحديدات (Determinations) الصادرة من المهندس وفقاً لشروط العقد المُتعلقة بتلك المطالبات.
نتيجة لذلك ولأهمية هذه المسائل الدقيقة ولضمان طرق تسوية أكثر فاعلية تم التفكير وبمسؤولية جداً منطقية وواقعية في التحسين والتطوير من جانب الاتحاد الدولي لعقود الفيديك بضرورة وجود طرف ثالث أكثر استقلالية وحيادية لحل تلك النزاعات أثناء التنفيذ بديلاً عن المهندس ودوره في حل النزاعات الناشئة عن تنفيذ العقد وتفسيره، وجعله مناسباً وأكثر مرونة للاستخدامات الدولية، ولذلك أدت كثرة الانتقادات والملاحظات المتواصلة من المهتمين بالعقود الإنشائية في كل أنحاء دول العالم من ملاك ومقاولين ومهندسين استشاريين والناجمة عن تناقص الثقة بدور المهندس الممثل لصاحب العمل في العقد بصورة كبيرة بسبب الشكوك في حياديته باعتباره شخصاً غير مستقل بحسب المثل : (أنت الجاني وأنت القاضي) ، إلى تمخض الفكرة عن إضافة بند جديد بمسمى مجلس فض النزاعات (Dispute Adjudication Board) والذي بدأ إضافته ضمن التعديلات الكبيرة والجوهرية التي تمت في عقد الفيديك لسنة 1999 الكتاب الأحمر المطور عن عقد الفيديك الكتاب الأحمر 1987 ، وتوسعت المادة (20) وفقراتها (2, 3, 4, 7, 8) من شروط العقد بشكل تفصيلي جداً بشأن تعيين مجلس فض النزاعات وكيفية عمله وانتهائه وصدور قراراته واخفاقه .
ثم استمر تضمين ذلك البند المستحدث في جميع أنواع عقود الفيديك الدولية والذي بدأ إضافته تحديداً في عام 1996 حتى الإصدارات الأخيرة لعام 2017 بمسمى أكثر فاعلية وهو مجلس تجنب وفض النزاعات
(Dispute Avoidance/Adjudication Board) (DAAB)، والذي يتميز بدوره الاستثنائي بمحاولة تجنيب الطرفين للنزاع قبل حدوثه من خلال تقديم تقارير دورية عن معاينات تنفيذ الأنشطة الميدانية إلى الأطراف ومراجعة قرارات المهندس بشأن المطالبات المعترض عليها من أحد الأطراف قبل تصاعد الخلاف وغيرها من الأمور المسببة لذلك وبدور شبه تحكيمي في حل النزاعات بين الطرفين حيث التشابه الكبير في الإجراءات الشكلية والتنظيمية للتحكيم من حيث تشكيل المجلس وتعيينه من قبل أطراف العقد المكون من شخص واحد (الحَكَم) (Adjudicator) ، وإذا كان المجلس ثلاثي الأعضاء، يقوم كل طرف باختيار العضو المؤهل المهني المناسب وأن يتم موافقة الطرف الآخر عليه وهكذا على العضوين اختيار العضو الثالث بالتشاور مع طرفي العقد ليكون رئيس المجلس، ويتحمل الطرفان سداد أتعابه مناصفةً.
كذلك التشابه في عقد جلسات الاستماع بحضور الطرفين بهدف المواجهة والدفاع والمرافعات الشفوية أو بتقديم المستندات الخاصة بالقضية وأيضاً المداولة بين أعضاء المجلس عند إصدار قراراته النهائية والملزمة بشأن أي نزاع محال إليه من قبل أي طرف ووجوب الإفصاح عن علاقاتهم بطرفي العقد وغيرها من أوجه التشابه.
ونشير هنا إلى أن عقود الفيديك لم تتطرق لتعريف مجلس فض المنازعات بحسب اطلاعنا لتلك العقود بأنواعها، حيث تم تعريفه من بعض الأشخاص المهنيين والمهتمين بدراسة تلك الأساليب لتسوية النزاعات استناداً لنصوص فقرات المادة (20) من الشروط العامة لعقد الفيديك (1999) المتعلقة بذلك المجلس.
واستناداً لذلك نرى من وجهة نظرنا أن المجلس هو عبارة عن "لجنة معينة من طرفي العقد ذات تأهيل مناسب مكونة من عضو واحد أو من ثلاثة أعضاء مستقلين ومحايدين تتوفر لديهم الخبرة العملية في تسوية النزاعات التي تنشأ بين طرفي عقد المقاولة ويتم خلال مدة معينة إصدار قراره لحل النزاع المحال إليه ويكون نهائيا وملزما للطرفين إذا لم يتم الاعتراض عليه من أحدهما أو كلاهما".
والجدير بالذكر أن قرارات هذا المجلس وتوصياته أكثر ملاءمة لصالح العمل وقبولها من كلا الطرفين احتمال كبير لما له من صلاحيات واسعة وفق شروط العقد في متابعة مراحل تنفيذ أعمال المشروع ودراسة المستندات التعاقدية والنظر فيها ومراجعة أي رأي أو تعليمات أو تحديدات أو شهادات الدفع المرحلية أو كشوفات ومستخلصات شهرية..... إلخ.
بالإضافة إلى إمكانية البت في المسائل القانونية للنزاع بجانب المسائل الفنية وتطبيق القانون الواجب تطبيقه على موضوع النزاع ولا يوجد ما يمنع من ذلك في نظرنا، وبالتالي يجب أن تكون قراراته مسببة وشاملة لجميع النقاط لإقناع طرفي النزاع وتكون أكثر قبولاً لهما ولهيئات التحكيم أكثر وضوحاً إذا تم اللجوء إليها لاحقاً.
ويكون القرار ملزماً لكل من الطرفين وينتج أثره بمجرد نفاذه ما لم يتم تغييره بناء على التسوية الودية أو حكم تحكيم، ومن وجهة نظرنا أيضاً إذا تم رفع قرار المجلس إلى القضاء أو التحكيم بعد اللجوء إليهما نتيجة لعدم قيام الطرف الذي لم يكن القرار في صالحه بتنفيذه طواعية وبحسن نية أو تم اللجوء إلى القضاء أو التحكيم بعد نفاد فترة الاعتراض المستحقة أن يتم الحكم بتنفيذه مُباشرة بعدما أصبح نهائياً وملزماً ولم يعترض عليه أطراف النزاع بإخطار عدم الرضا طبقاً للعقد.
يعتبر المجلس أحد المبادئ الذهبية الخمسة في عقود الفيديك النموذجية (FIDIC Golden Principles) المحددة من قبل اتحاد الفيديك وهو المبدأ الخامس والأخير من تلك المبادئ الأساسية الهامة وبدونه لا يعتبر العقد حقيقياً من عقود فيديك إذا تم إلغائه من الشروط العامة خلال تعديلات الشروط الخاصة للعقد.
ختاماً ؛ نناشد القائمين على تطوير العقود الإنشائية الموحدة المحلية في سلطنة عمان بضرورة إدراج مجلس فض المنازعات ضمن الطرق البديلة لحل النزاعات في الشروط العامة للعقد أسوة بالعقود الدولية لما له من أهمية كبيرة من حيث تسوية النزاعات مبكراً ومنع تعاظم الخصومات وتجنب إجراءات التقاضي الطويلة، مما يؤدي إلى توفير الجهد والوقت والمال واستمرار تنفيذ التزامات المشروع واستقرار العلاقة التعاقدية بين الطرفين، حيث إن أغلب النزاعات الإنشائية والتي تفوق نسبتها (80%) تمت تسويتها ومعالجتها بهذا الأسلوب المميز قبل اللجوء إلى القضاء أو التحكيم وفق إحصائية مؤسسة مجلس فض المنازعات الدولية (Dispute Resolution Board Foundation (DRBF)) ما يؤكد على الضرورة الملحة لإضافتها في شروط العقد والتخفيف أيضاً من القضايا عن كاهل المحاكم بعد التزايد الجلي في أعداد قضايا النزاعات الهندسية والإنشائية أمامها.
** خبير هندسة مسح الكمیات ومُحكِّم تجاري
