مشاريع مبشرة في السلطنة

 

 

آية السيابي

مما لا يمكن تجاهله اليوم هو الخريطة العمرانية الموسعة في السلطنة، التي تزداد رقعتها بشكل مطرد. لا نبالغ إن قلنا بأن هذا التوسع، الذي يتخذ الشكل الأفقي، يتحرك بوتيرة يومية. تتقاطع فيها المدن المستحدثة مع الطرق الذكية والمرافق والاستثمار والسياحة، لتتجلى أمامنا اليوم رؤية "عُمان 2040" واضحة المعالم بفضل القيادة الرشيدة، والتوجه السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق، حفظه الله ورعاه.

ومن هنا تبرز أهم المشاريع التي نجدها تجاوزت مرحلة التصور والتخطيط إلى مراحل التصميم والإسناد والتنفيذ، مثل: مدينة السلطان هيثم، ومدينة الثريا، ومشروع الجبل العالي، ومدينة صلالة المستقبلية، حيث تكمن أهمية هذه المشاريع في أنها لا تكرر نموذجًا عمرانيًا واحدًا؛ فمدينة السلطان هيثم، بمساحتها البالغة 14.8 مليون متر مربع وأحيائها التسعة عشر، تستهدف بناء مجتمع حضري متكامل يستوعب نحو مائة ألف نسمة. أما مدينة الثريا فتتشكل فوق هضبة مرتفعة في مسقط، بينما يقوم مشروع الجبل العالي على استثمار خصوصية المكان الجبلي وتحويلها إلى قيمة سكنية وسياحية واقتصادية. وفي الجنوب، تمتد مدينة صلالة المستقبلية على مساحة تقارب سبعة كيلومترات مربعة، وتخطط لاحتضان نحو اثني عشر ألف وحدة سكنية وستين ألف نسمة. ومن المهم جدًا أن نعي بأن العمران يبدأ من الطريق وشبكات المياه والصرف والطاقة والاتصالات، ثم يصعد إلى الواجهة، لا العكس، حيث الاهتمام فقط بالواجهة وإهمال أهم الخدمات، مما يعيق نمو المدينة الحديثة والإنسان الذي يسكن البيئة الحداثوية. وانطلاقًا من هنا، أصبح من الضرورة بمكان بناء بيئة تتداخل فيها الإقامة والعمل والترفيه والنقل والمساحات العامة.

الخبر السعيد هو المؤشرات التي تؤكد أرقام عام 2025، حيث إن هذا التحول العمراني ينعكس مباشرة على سوق الإنشاءات. فقد بلغت قيمة المناقصات التي طرحتها هيئة المشاريع والمناقصات والمحتوى المحلي نحو مليار و703 ملايين ريال عُماني، مقارنة بنحو 811.3 مليون ريال في عام 2024. واللافت أن عدد المناقصات انخفض بصورة طفيفة من مائة إلى 98 مناقصة، في حين تضاعفت قيمتها تقريبًا، وهو ما يشير إلى انتقال واضح نحو مشروعات أقل عددًا، لكنها أكبر حجمًا وأكثر جودة وتأثيرًا.

ومن المهم هنا التمييز بين المناقصات المطروحة وتلك التي أُسندت بالفعل؛ إذ بلغ عدد المناقصات المسندة خلال عام 2025 نحو 95 مناقصة، بقيمة إجمالية وصلت إلى 535.65 مليون ريال عُماني. ومع ذلك، تظل قيمة المشروعات المطروحة مؤشرًا على حجم السوق العقاري الذي تُقبل عليه سلطنتنا، وعلى نوع القدرات الفنية والمالية والإدارية التي ستحتاج إليها في السنوات المقبلة.

وفي الحقيقة، فإن المشاريع الكبرى تحتاج إلى مؤسسة مقاولات رصينة تستطيع إدارة المخاطر والوقت وسلاسل التوريد والعمالة والمعدات، وتملك القدرة على اتخاذ القرار وسط ظروف قد لا تمنحها رفاهية التأخير أو الخطأ. ومن هنا، لا ينبغي قراءة اعتماد الجهات الحكومية على الشركات الوطنية الكبرى بوصفه امتيازًا وشرفًا تحظى به هذه الشركات دون غيرها، كما أنه مسؤولية مضاعفة تتكبدها الشركة ذاتها. فكلما ارتفعت قيمة المشروع واتسع أثره العام، أصبحت كفاءة التنفيذ جزءًا أصيلًا من الثقة العامة.

إحدى هذه الشركات التي حظيت بإسناد بعض المشاريع الكبرى إليها هي شركة الصاروج للإنشاءات. وهي نموذج من الشركات التي تشكلت خبرتها عبر عقود من العمل في الطرق والمرافق والأعمال البحرية وقطاعات النفط والغاز والطاقة. غير أن قيمة هذه الخبرة لا تظهر في عمر الشركة بقدر ما تظهر في طبيعة المشروعات التي أُوكل إليها تنفيذها.

في محافظة مسندم، تتولى الصاروج تنفيذ طريق السلطان فيصل بن تركي، الرابط بين دبا وليما وخصب، بتكلفة تتجاوز 151 مليون ريال عُماني. ويمتد الطريق لنحو سبعين كيلومترًا، إلى جانب وصلة بطول 23 كيلومترًا إلى نيابة ليما، وقد تجاوزت نسبة إنجازه اليوم 73% وفق أحدث البيانات المنشورة. الجدير بالذكر أن صعوبة هذا المشروع، فضلًا عن طوله، تكمن في شق مساره عبر تضاريس جبلية حادة جعلته واحدًا من أكثر مشروعات النقل البري تعقيدًا في السلطنة. هنا، بادرت الشركة، بشكل مذهل، إلى تطويع الجغرافيا من دون الإخلال بمعايير السلامة أو الجدول التنفيذي.

وفي مشروع طريق السلطان سعيد بن تيمور، تشارك الصاروج ضمن تحالف عُماني سعودي في تنفيذ الجزء الثالث الممتد من ولاية هيماء إلى ولاية مقشن، بطول يقارب 132.5 كيلومتر. ويأتي هذا الجزء ضمن مشروع ازدواجية يبلغ طول أجزائه الثلاثة نحو أربعمائة كيلومتر، وبقيمة إجمالية تتجاوز 258 مليون ريال عُماني. وعند اكتماله سيغدو الطريق أطول طريق مزدوج في السلطنة، يربط مسقط بمحافظة ظفار، بما يتجاوز وظيفته المرورية إلى أثره في النشاط اللوجستي والتجاري والسياحي على امتداد المحافظات التي يعبرها.

أما مشروع توسعة طريق مسقط السريع، الذي أُسند إلى الصاروج بقيمة تتجاوز 157 مليون ريال عُماني، ويمتد من تقاطع حديقة القرم الطبيعية إلى تقاطع حلبان، فهو طريق قائم يشكل شريان الحركة المرورية في العاصمة. فقد قُسّمت الخطة التنفيذية إلى ثلاث حزم تغطي القرم وبوشر والسيب؛ لأن العمل داخل مدينة حية ومزدحمة يتطلب إدارة دقيقة للحركة والتحويلات المرورية، بالتوازي مع المحافظة على سرعة التنفيذ وجودته.

ولا يمكن فصل هذا الحراك في الطرق عن نمو سوق العقار. فقيمة الأرض تعتمد على قربها من الطريق والخدمة والمدرسة والمستشفى ومركز العمل. وكل طريق جديد يفتح مواقع جديدة للاستثمار، ويرفع قابلية المدن الناشئة للحياة.

وقد لا تكون المسألة الأهم اليوم هي حجم الأموال التي تُنفق على البناء، وإنما ما يبقى من أثرها داخل الاقتصاد الوطني من فرص العمل التي تخلقها، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تدخل سلاسل التوريد، والخبرات التي تنتقل إلى المهندسين والفنيين العُمانيين، والتقنيات التي تصبح جزءًا من السوق المحلية بعد انتهاء المشروع. وهكذا، نفخر اليوم لكوننا مقبلين على صياغة جديدة للمستقبل العمراني وبناء الإنسان. حفظ الله أرض هذا الوطن، وزاد مواطنيه رفعةً وشأنًا.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z