نعم ولكن.. الحقيقة المضادة

 

 

 

فوزي عمار

 

جاءت الأخبار هذه الأيام بوفاة مفكر فرنسي هو إدغار موران. هذا المفكر الذي قضى عمره يبشر بالفكر المركب، كما أنه من دعاة بناء مواطنة عالمية ومسؤولة وتعزيز قيم التضامن الإنساني وترسيخ مبدأ المسؤولية تجاه الآخرين.
في نظريته الفكر المركب لم يقل لنا إن الحقيقة بسيطة؛ بل قال العكس: إن الحقيقة الحية هي تلك التي تحتضن نقيضها. ليس لأنها غير قادرة على الحسم، بل لأن الواقع نفسه مركب من طبقات متناقضة.
لنتأمل ما أسماه موران ضمنيًا "الحقيقة المضادة". ليست كذبًا، وليست رواية بديلة زائفة. الفيلسوف كيركغارد أطلق عليها المفارقة التي تمزق المنطق، والمفكر تشومسكي أسماها تصنيع الوعي. لكن موران يقدم لنا علاجًا أعمق: أن نعيش التوتر بين الحقيقتين من دون أن نقتل إحداهما.
مثال التحول الرقمي الذي نعيشه اليوم. الحقيقة الرسمية المعلنة تقول إن الذكاء الاصطناعي سيحررنا من الأعمال الروتينية، وسيخلق فرصًا لم نكن نحلم بها، وسيعيد تشكيل الاقتصاد نحو مزيد من الكفاءة والإبداع. هذه حقيقة، ولا يمكن إنكار أن الشركات أصبحت تنتج بشكل أسرع، وأن بعض المهام المستعصية باتت حلولها سهلة بضغطة زر. لكن الحقيقة المضادة تهمس وتقول لنا إن ملايين الموظفين في مراكز الاتصال والترجمة والخدمات القانونية المتكررة باتوا على قائمة الانتظار للخروج من سوق العمل. أين تكمن الحقيقة إذًا؟
الحقيقة ليست في اختيار معسكر ضد آخر، وليست في شعار تكنولوجيا جيدة مقابل تكنولوجيا شريرة.
مثال آخر: حقيقة الأمن والتنمية؛ فالأمن أحيانًا يقتل التنمية أو يقوضها؛ فالأمن حقيقة والتنمية حقيقة أيضًا، لكن أحيانًا وجود أحدهما يناقض الثاني.
الحقيقة عند موران أن الحقيقة الأولى صحيحة، والحقيقة المضادة صحيحة أيضًا، وأن القرار السليم لا يأتي بإلغاء إحداهما بل بإدارة الصراع بينهما.
وهذا هو جوهر الفكر المركب: أن تقول نعم ولكن في نفس اللحظة.
ما نحتاجه اليوم ليس مثقفًا يخبرنا هذه هي الحقيقة، بل مفكرًا يعلمنا كيف نحتمل أن تكون الحقيقتان المتضاربتان صحيحتين معًا. إدغار موران قدّم لنا هذه الأداة، وترك لنا الحكم والقول.
هذا صحيح من زاوية، وصحيح من نقيضها.
رؤية موران أن التناقض كاملًا هو أفق الفلسفة في زمن الاستقطاب في إطار مساواة ومسؤولية أخلاقية تجاه الآخرين.

الأكثر قراءة

z