وجوه لا تُغادر الذاكرة

 

 

 

سلطان بن محمد القاسمي

كل منَّا يحمل في داخله ألبومًا خاصًا من الصور، لا تلتقطه الكاميرات، ولا تحفظه الهواتف، ولا يوضع على الرفوف أو داخل الأدراج. ألبوم تسكنه الذاكرة، تتراكم فيه الوجوه والمواقف واللحظات عاماً بعد عام، حتى تصبح جزءا من تكويننا الإنساني. ومع مرور الأيام نكتشف أن بعض الصور تبهت ملامحها، بينما تبقى صور أخرى واضحة التفاصيل، حاضرة في الذهن وكأنَّ الأيام لم تمض عليها.

وحين أتأمل هذا الألبوم الذي أحمله في داخلي، أجد وجوهاً كثيرة مرَّت في حياتي. بعضها رافقني سنوات طويلة، وبعضها لم يمكث إلا وقتا قصيرا، لكن المفارقة أن طول المدة لم يكن يوماً معيارا لحجم الأثر. فكم من شخص عرفناه سنوات ولم يترك في نفوسنا شيئا يذكر، وكم من إنسان مرَّ بنا لفترة قصيرة، لكنه ترك أثرا لا يزال حاضرا رغم مرور الأيام وتعاقب السنين.

وربما لهذا السبب أجدُ نفسي أحيانًا أقفُ طويلًا أمام بعض الذكريات. ليس لأنني أحن إلى الماضي بقدر ما أستعيد وجوهاً كان لها دور في تشكيل شيء من شخصيتي. وجوها علمتني درسا في الصبر، وأخرى منحتني الثقة في لحظة كنت بحاجة إليها، وثالثة تركت في نفسي أثرا لا يزال حاضرا رغم أن السنوات مضت منذ آخر لقاء. وحين أتأمل تلك الوجوه أدرك أن الإنسان لا يصنع نفسه وحده، بل تسهم في تشكيله أرواح كثيرة تمر في حياته وتترك فيها شيئا من أثرها.

لقد مَنَّ الله علينا في هذه الحياة بأشخاص كانوا أشبه بالمحطات المضيئة على امتداد الطريق. أشخاص علمونا شيئًا من الحكمة دون أن يقصدوا التعليم، ومنحونا شيئًا من القوة دون أن يشعروا، وتركوا في أعماقنا أثرًا جعلنا ننظر إلى الحياة بطريقة مختلفة. وربما لم يكن أحدهم عالما أو صاحب منصب أو شخصية مشهورة، لكنه كان إنسانًا صادقًا، وصدق الإنسان في كثير من الأحيان أعظم أثرا من آلاف الكلمات المُنمقة.

ولعل ما يدفعني إلى كتابة هذه الكلمات أنني كلما تقدمت في العمر، ازددتُ يقينًا بأن بعض الناس يغادرون حياتنا، لكنهم لا يغادروننا نحن. يغيب حضورهم المباشر، وتنقطع اللقاءات، وتتغير الظروف، وربما تفصل بيننا وبينهم مسافات طويلة أو حتى حياة كاملة، ومع ذلك يبقون حاضرين بطريقة لا يمكن تفسيرها. يكفي أن نمر بمكان جمعنا بهم ذات يوم، أو نسمع عبارة كانوا يرددونها، أو نسترجع موقفا قديما، حتى يعودوا إلى الذاكرة بكل تفاصيلهم.

وهناك من اختطفهم الموت من بيننا، فرحلوا بأجسادهم، لكن أرواحهم بقيت حاضرة في تفاصيل الحياة. فما أكثر الأشخاص الذين فقدناهم، وما زلنا حتى اليوم نستحضر نصائحهم عند اتخاذ قرار، ونبتسم حين نتذكر مواقفهم، وندعو لهم كلما مرت صورهم في الخاطر. وكأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يعلمنا أن الرحيل الحقيقي ليس رحيل الجسد، وإنما رحيل الأثر، ومن ترك أثرا جميلا في القلوب فإنه يبقى حيا فيها مهما غاب.

وأحيانًا أهمسُ لنفسي: هل يدرك الإنسان حجم الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين؟ هل يعلم أن كلمة قالها ذات يوم ربما كانت سببا في تغيير حياة شخص آخر؟ وهل يشعر أن موقفا بسيطا ظنه عابرا قد يكون ما زال حاضرا في ذاكرة أحدهم حتى هذه اللحظة؟

إنَّ كثيرًا من الناس يظنون أن الأثر يصنعه أصحاب الإنجازات الكبيرة فقط، بينما الحقيقة أن أجمل الآثار وأبقاها تصنعها التفاصيل الصغيرة. ابتسامة صادقة في وقت الضيق، وقفة وفاء عند الحاجة، كلمة تشجيع في لحظة ضعف، دعوة صادقة في ظهر الغيب، أو موقف إنساني لا ينتظر صاحبه شكرا ولا ثناء. هذه الأمور الصغيرة هي التي تصل إلى القلوب بهدوء، ثم تستقر فيها سنوات طويلة.

ومن عجائب الحياة أن الإنسان كلما تقدم به العمر، بدأ ينظر إلى الأشخاص بطريقة مختلفة. ففي الصغر قد نعجب بالمظاهر، وفي الشباب قد تشدنا النجاحات، أما مع نضج التجربة فإننا نكتشف أن أجمل الناس ليسوا بالضرورة أكثرهم مالًا أو جاهًا أو شهرة، وإنما أكثرهم أثرًا. أولئك الذين جعلوا حياتنا أفضل بطريقة أو بأخرى، والذين أضافوا إلى أرواحنا شيئًا من الخير والمحبة والحكمة.

ولهذا أؤمن أن الإنسان ليس سيرته الذاتية، ولا عدد المناصب التي تقلدها، ولا الممتلكات التي جمعها، وإنما هو مجموع الآثار التي تركها في قلوب الآخرين. فكم من أشخاص عاشوا حياة بسيطة، لكن ذكراهم بقيت حاضرة بعد رحيلهم بعشرات السنين، لأنهم أحسنوا إلى الناس وتركوا وراءهم أثرًا طيبًا لا يزول.

وإذا كان لكل إنسان أُمنية يتركها خلفه، فإن أجمل ما يمكن أن يتمناه المرء أن يكون ممن إذا غاب افتقده الناس، وإذا ذُكر دعوا له، وإذا مرت صورته في الذاكرة ارتسمت على الوجوه ابتسامة صادقة؛ فهذه هي الثروة الحقيقية التي لا تفنى، وهذا هو الإرث الذي لا تلتهمه الأيام.

وهنا، تبقى في ذاكرتنا وجوه كثيرة، بعضها ما زال يشاركنا تفاصيل الحياة، وبعضها غاب لأسباب مختلفة، وبعضها رحل إلى دار البقاء، لكنهم جميعا ما زالوا يحتفظون بمكانهم الخاص داخلنا. وربما لهذا السبب لا نستطيع أن نكون نسخة منفصلة تماما عن الآخرين، لأن شيئًا من أرواحهم يبقى عالقًا بأرواحنا، وشيئا من أثرهم يستقر في شخصياتنا، وشيئا من ذكراهم يرافقنا أينما ذهبنا.

هذه وجوه لا تسمح لها الذاكرة بالمغادرة الكاملة، ليس لأننا نعيش في الماضي؛ بل لأن بعض البشر كانوا أعمق أثرًا من أن تمحوهم الأيام، وأصدق حضورًا من أن تتحول ذكراهم إلى مجرد صورة قديمة في ألبوم مهمل على أحد الرفوف.

الأكثر قراءة

z