ريم الحامدية
"ليش هو وصل قبلي؟" قالها وهو يطيل النظر في شاشة هاتفه، صورةٌ لصديقٍ يحتفل بمنزلٍ جديد، وتعليقاتٌ تمتلئ بالمباركات، ووجهٌ يفيض بالرضا.
أغلق الهاتف، وأسند رأسه إلى المقعد، ثم أخذ يفتش في حياته، وكأنه يبحث عن شيءٍ ضاع منه. لم يكن يحسد صديقه… لكنه شعر، للمرة الأولى، أن الجميع يمضون إلى الأمام، بينما يقف هو في المكان نفسه.
وفي مدينةٍ أخرى، كانت فتاةٌ تتساءل السؤال ذاته، وهي ترى زميلاتها يحتفلن بالتخرج. وفي منزلٍ بعيد، كان رجلٌ في الخمسين يؤنب نفسه لأنه لم يبدأ مشروعه قبل عشرين عامًا.
ثلاثة أشخاص، لا يعرف أحدهم الآخر، لكنهم جميعًا وقعوا في الوهم نفسه، وهم أن للحياة توقيتًا واحدًا، وأن من يصل أولًا… هو من ربح. ولو عرف كل واحدٍ منهم قصة الآخر، لما تمنى أن يبدّل مكانه معه.
فنحن لا نرى من الناس إلا لحظة الوصول، أما الطريق، فلا يراه أحد.
نحن لا نلتقي بالبدايات، بل نلتقي بالنسخ التي صنعتها الأيام. نرى النهايات، ولا نرى الفصول التي سبقتها. نرى الثقة، ولا نرى الارتباك الذي سبقها. نرى النجاح، ولا نرى الإخفاقات التي صنعت ملامحه. نرى الابتسامة، ولا نسمع الحروب التي دارت في الداخل حتى وُلدت تلك الابتسامة.
كم مرة حكمنا على شخص من دقيقةٍ واحدة، بينما حياته احتاجت سنواتٍ كاملة لتصبح كما هي؟
وكم مرة قلنا عن أحدهم: محظوظ، لأننا لم نكن موجودين حين كان يجمع شتات نفسه، أو يودّع حلمًا، أو يبدأ من الصفر للمرة الثالثة؟
كل إنسان تقابله يرتدي قناعًا، ليس لأنه يريد أن يخدعك، بل لأن الحياة علّمته أن بعض الأوجاع لا تُروى، وأن بعض المعارك لا تُرى، وأن ليس كل ما يُعاش يُقال.
ثم إننا لا نكتفي بالحكم على الناس، بل نقارن حياتنا بحياتهم، نقف عند نهاية قصة أحدهم، ثم نلتفت إلى بداية قصتنا، ونسأل بقلق: لماذا تأخرنا؟ وكأن الحياة مضمار سباق، يصل فيه الأذكى أولًا، ويخسر من تباطأت خطواته.
لكن الحياة لم تكن يومًا سباقًا، فلا أحد سبق أحدًا، ولا أحد تأخر عن أحد. لكل إنسان توقيته الذي يشبهه، وظروفه التي لا تشبه سواه، وأقداره التي لا يمكن استعارتها أو مقارنتها.
قد تحقق سارة حلمها في الخامسة والعشرين، بينما تجد مدرين طريقها بعد الأربعين، وقد تكتشف ريم بعد سنوات أن الحلم الذي كانت تركض خلفه لم يكن حلمها أصلًا، وأن الطريق الذي اختارته متأخرة، هو الطريق الذي كُتب لها منذ البداية.
فمن سبق الأخرى؟ لا أحد، لأنهن لم يكنّ يتسابقن أصلًا.
كل واحدةٍ كانت تمشي في طريقٍ مختلف، وتحمل حقيبةً مختلفة، وتتعلم دروسًا مختلفة، وتخوض حروبًا لا يعرفها إلا الله.
ولهذا، لا تقيس حياتك بعمرٍ معين، ولا تجعل السنوات ميزانًا للنجاح، فالعمر يخبرنا كم سنةً عشنا، أما التجارب، فهي وحدها تخبرنا كيف عشنا.
قد يكون شابٌ في الخامسة والعشرين أكثر نضجًا من رجلٍ تجاوز الخمسين، لأن الحياة مرّت عليه بطريقةٍ مختلفة. وقد يبلغ آخر الستين، وما زال يتعلم أول دروس الصبر.
فالسنوات لا تصنع الإنسان، الذي يصنعه هو ما فقده، وما تحمله، وما سامح، وما تجاوز، وما قاوم بصمت.
ولهذا تختلف الشخصيات كما تختلف البصمات.
سارة ليست نسخةً من مدرين، ومدرين ليست نسخةً من ريم، ولن تكون ريم نسخةً من أحد.
ليس لأن الأسماء مختلفة، بل لأن لكل واحدةٍ بيتًا أول، وطفولةً مختلفة، وأبًا وأمًا بطريقتهما، وفرحًا خاصًا، وخيبةً خاصة، وليلًا طويلًا لم يره أحد.
لهذا، فإن أكثر المقارنات ظلمًا هي تلك التي تضع إنسانين في ميزانٍ واحد، وكأنهما خرجا من الحياة نفسها.
وفي النهاية، حين تقابل أحدًا، تذكّر أنك تقرأ صفحةً واحدة فقط من كتابٍ قد يمتد إلى مئات الصفحات.
لا تحكم على ابتسامته، فقد تكون قد وُلدت من وجع، ولا تحسد نجاحه، فقد يكون ثمنه سنوات من الخسارة.
ولا تقل: سبقني، لأنك لا تعرف أصلًا إلى أين يتجه، ولا إلى أين تتجه أنت.
فالحياة ليست سباقًا نركض فيه نحو خط نهايةٍ واحد، إنها مكتبةٌ كبيرة. وكل إنسانٍ فيها… يحمل روايته الخاصة.
