السوق الافتراضي

 

 

فاطمة الحارثي

نتناول المعايير المختلفة، مثل المعايير الأوروبية والأمريكية والعالمية والصينية والألمانية وغيرها، كمسلمات تستنزف الكثير من مواردنا من أجل نيل الاعتراف بسلامة الممارسات، وتطبيق الامتثال، وتيسير التبادل التجاري. ومعظم هذه المنظمات هي منظمات إدارية حقوقية، أكثر من كونها تجارية نفعية. والسؤال البسيط هنا: لماذا لا نمتلك المعايير العُمانية الدولية المعتمدة، كمزيج مركزي موحد، لإثراء الصفقات والتعاقد المحلي والدولي؟ بهذا نكون في غنى عن تعليق عشرات الشهادات المُكلفة لتسيير الأعمال والممارسات التجارية!

لنسمِّ الأشياء بمسمياتها، ولننظر إلى الفائدة والغاية منها، فالسلاسة والتيسير هما الهدف الحقيقي، والقواعد التي تُبنى على الخوف وفرض التحكم الاقتصادي والسيطرة والتسلط التجاري، لم ولن تنفع في بقاء الإنسان والدول. في المقابل، فإن القواعد التي تشكل النفع المشترك وتيسير الأعمال غاية يطيب لها المستثمر والمستهلك. وتبقى التجربة خير برهان على أن التأثير لا حدود له، وأن التوازن حاجة وضرورة لمن اختار أن يُغذي وجوده، ويُروي كيانه، ويترك حضارة وأثرًا فعالًا مستدامًا لحقبة وأزمنة مديدة.

يعمل الجميع من أجل جذب الاستثمارات، وتعزيز العوائد، والتنويع الاقتصادي، وتشكيل قاعدة المستهلك، لكن يبقى وجود المستهلك ودوره في جذب الاستثمار حجر عثرة يؤرق ثبات تلك الاستثمارات ونموها. وبديهيًّا، كل مستثمر يرغب في مضاعفة عوائد استثماره، وأيضًا في نمو زبائنه. وهنا تأتي فكرة المستهلك الافتراضي (غير المقيم)، كنافذة تعزيزية لجذب التنوع في الاستثمارات. وبوجود مستهلك افتراضي، نستطيع أن نوجد السوق والرفوف الافتراضية والإلكترونية، سوقًا حيوية تُلبي الحاجة، وتدعم الوصول السلس، مما يعزز ثقة المستهلك، حيث تُقام فيه صفقات بين الريال والمليار، ومن البضائع الكبيرة والأساسية إلى المكملات. فالتنوع هو أساس هذا السوق الافتراضي، وتباين فئات المستثمرين والمستهلكين، بغض النظر عن موقع الصفقة أو البضاعة، وطبعًا الوجود محلي وعالمي.

إن إثراء مثل هذا التوجه يحتاج إلى تقسيمات داخلية للسوق واللامركزية، حتى تسهل العمليات والاستدامة، بحيث تكون كل محافظة مسؤولة بعلامتها ومنتجاتها التي يتم دعمها باللوجستيات المحلية، لإعطاء السوق الافتراضي الحيوية. كما أن صياغة الضوابط التجارية المتماثلة تعزز من السلطنة كعلامة تجارية عالمية مختصة، ومعروفة بالجودة العالية والإتقان، ووجود مجلس مشترك، كجهة تدقيق ومتابعة وقراءة، يؤمن مسألة التطوير المستمر.

وطبعًا، هذا يحتاج إلى الكثير من العمل في مجالات الحوكمة، وضوابط التبادل التجاري، وحماية التاجر والمستهلك. وهذا العمل، ليتحقق، يحتاج إلى الوقت والجهد المشترك، بما يتوافق مع القوانين الدولية الموحدة بالهوية العُمانية. ومثل هذا التوجه يوسع دائرة العمالة المحلية والدولية، ويفتح آفاقًا للشباب العُماني وصناعة الموظف الدولي. وقد يُعد الأمر تحديًا لأسباب كثيرة لا يسع المقال ذكرها، لكنه يبقى خيارًا مهمًا لبلوغ العالمية الاقتصادية والفكرية.

في العموم، يجب أن نتعلم مشاركة الفكر، والأفكار، وإن كان فيها تصور أو حلم فردي، فعلى الحالم إدراك أهمية تسويق الفكرة، والقيمة الحقيقية في تحويل الحلم أو الفكرة إلى هدف جماعي مشترك، يتشكل وينمو لتعم الفائدة العامة والأثر المستدام.

 

وإن طال...

الفكرة تصبح أجمل عندما تتحول إلى حلم جماعي، والإخلاص في العطاء لا يحتاج إلى تنافسية مريضة، أو فوضى السيطرة والتحكم، فالفكرة الصادقة تستكين في نصابها، وتمضي إلى تمامها بكل هدوء، ما دامت القلوب طاهرة.

 

الأكثر قراءة

z