أحمد بن مسلم سوحلي جعبوب
تعد البشام من الأشجار العطرية التي حظيت بمكانة مميزة في التراث الطبيعي في جنوب والجنوب الغربي للجزيرة العربية، واشتهرت برائحتها الزكية واستخداماتها المتعددة منذ القدم. وتمتاز هذه الشجرة بعبقها الفواح الذي ينبعث من أغصانها وأوراقها ولحائها، مما أكسبها قيمة خاصة في الموروث الشعبي. وقد ارتبط اسمها بالعطور الطبيعية والمسواك والمشروبات التقليدية، كما عُرفت بإفرازها راتنجًا عطريًا ذائع الصيت. وإلى جانب أهميتها التراثية، تتميز البشام بجمالها الطبيعي وما تحمله من خصائص نباتية فريدة. ويستعرض هذا المقال وصف شجرة بلسان مكة وخصائصها وأهم استخداماتها وقيمتها الثقافية والطبيعية.
واسمها العلمي: Commiphora gileadensis، وهي من الفصيلة البخورية (Burseraceae)، واسمها المحلي في ظفار: شيقوف أو شقاف، ومن الأسماء العربية المعروفة بها: البشام وبَلسان مكة.
وتُعد شجرة البشام من الأشجار العطرية الشهيرة التابعة للفصيلة البخورية، وتنتشر طبيعيًا في جنوب الجزيرة العربية وبعض مناطق القرن الإفريقي، كما سُجل وجودها في سلطنة عُمان واليمن والسعودية، إضافة إلى أجزاء من شرق إفريقيا. وتُعد واسعة الانتشار في سلطنة عُمان، خاصة في غابات محافظة ظفار والمناطق الجبلية المتأثرة بالمناخ الموسمي بالإضافة إلى انتشارها على جروف سلسلتي جبال الحجر الشرق والغربي في شمال عمان.
وهي شجرة أو شجيرة عطرية متساقطة الأوراق، قد يصل ارتفاعها إلى نحو 6 أمتار، ذات ساق متفرعة ولحاء أملس نسبيًا يتدرج لونه غالبًا بين الأخضر الرمادي والبني الفاتح، وقد يتقشر مع التقدم بالعمر. الأغصان دقيقة وعطرية، الأوراق مركبة ريشيّة غالبًا ثلاثية الوريقات، وقد تتفاوت من 3–5 وريقات، والوريقات متقابلة أو شبه متقابلة، بيضوية إلى رمحية الشكل حسب النمو والبيئة.، خضراء تميل أحيانًا إلى اللمعان، وتفوح من جميع أجزاء النبات رائحة زكية مميزة خاصة عند خدش اللحاء أو كسر الأغصان.
أزهار البشام صغيرة متجمعة على الأفرع العارية أو قرب نهايات الأغصان، وتبدو لحمية سميكة نسبيًا، ذات أربع بتلات قصيرة مستديرة، يتدرج لونها من الأحمر القاني إلى الوردي المحمر، بينما تظهر بعض الأزهار بلون أبيض مائل للصفرة في بداية التفتح. وتتفتح البتلات على هيئة كأسية أو نجمية خفيفة الانبساط، ويتوسط الزهرة قرص أصفر ذهبي يحمل نحو ثماني أسدية واضحة قصيرة ومتقاربة، مما يمنح الزهرة مظهرًا لامعًا ودافئ اللون. كما يتوسطها جهاز أنثوي دقيق يتكون من مبيض صغير علوي ثنائي الحجرات غالبًا، تعلوه قمة ميسمية صغيرة شبه كروية، ويحيط به قرص زهري لحمي مائل إلى الصفرة. أما البراعم الزهرية فهي كروية عصارية خضراء تميل أحيانًا إلى الاحمرار قبل التفتح.
الثمار قصيرة العنق، صغيرة بيضية إلى شبه كروية، تتكون في عناقيد قصيرة على الأغصان، ويتحول لونها عند النضج إلى الأحمر الداكن أو العنابي. ويتميز سطحها بوجود أربعة خطوط طولية بيضاء واضحة تقسم الثمرة إلى أربعة أقسام متقاربة، فتبدو في هيئتها شبيهة بكرة السلة الأمريكية المصغرة. وتمثل هذه الخطوط مواضع الانفلاق الطبيعية للثمرة عند النضج، بينما يكون السطح الخارجي أملس جلديًا قليل اللمعان، وتبدو الثمار متقاربة ومتزاحمة على الأفرع، مما يمنح النبات منظرًا زخرفيًا مميزًا أثناء الإثمار. محليا تسمى الثمرة "فيريت".
وتُعرف الشجرة بفوائدها واستخداماتها المتعددة، فهي نبات طبي ورعوي مهم، وتُستخدم أغصانها كسواك طبيعي. ويُستفاد من لحائها محليًا في إعداد مشروب تقليدي، حيث يتحول الماء بعد غليه إلى لون أحمر ذي رائحة فواحة وطعم لذيذ، كما تؤكل ثمارها بالسلطنة، وكذلك تمضغ جذور النموات الحديثة ولها عصارة بطعم السكر، يُقطع خشب النبات إلى شرائح واللحاء للاستخدامات الطبية ويسمى "ثمديت" ومنه مطهر للغسيل خاصة للأم بعد الولادة والأطفال حديثي الولادة. كذلك يستخدم اللحاء بعد نقعه في الماء كمستحضر تجميل من قبل النساء لتنظيف وتلطيف ولصفاء الوجه.
البشام شجرة حظيت بالاهتمام والشهرة في التراث الطبيعي بالمملكة العربية السعودية، ولا سيما في منطقة مكة المكرمة وجبال الحجاز، حيث عُرفت برائحتها العطرية الزكية واستعمالاتها المتعددة. ويُعرف البشام عند أهل مكة والحجاز بأنه من الأشجار العطرية المشهورة، ويُسمى أيضًا البلسان أو بلسم مكة. وقد ارتبط في الموروث المكي بالرائحة الطيبة واستُخدمت أغصانه للمسواك، كما تُستعمل قشوره في إعداد الشاي البلدي. وقد ظل البشام حاضرًا في الحياة اليومية والتراث الشعبي المكي لما يمتاز به من عبق طيب وفوائد متعددة، وتُعد من أشهر الأشجار العطرية في جبال مكة والسراة، حتى وُصفت في المصادر السعودية بأنها تكاد تكون عنوانًا لجبال الحجاز.
ويفرز البشام راتنجًا عطريًا زكي الرائحة استُخدم تاريخيًا في صناعة العطور والبخور وبعض الاستخدامات الطبية التقليدية، وهو أحد الأسباب التي أكسبت هذه الشجرة شهرتها في الجزيرة العربية.
وتتكاثر شجرة البشام بالبذور والعُقل، وتتميز بسرعة التجذر نسبيًا عند توفر الرطوبة المناسبة، مما يساعد على انتشارها الطبيعي في البيئات الجبلية والأودية.






