ناصر بن حمد العبري
منذ عرفت البشرية الحرف، أصبح القلم ذاكرة الأمم وأرشيفها الأمين. التاريخ لا يؤلف الأحداث ولا يخترع الوقائع؛ هو سجلّ دقيق لما جرى على الأرض، ينقل للأجيال خلاصة التجارب، دروس النجاح، ومرارة التحديات. من هذا المنطلق تتحدد قيمة الكلمة، وتتضاعف مسؤولية الصحفي والإعلامي في نقل الحقيقة كما هي، بمهنية لا تجامل، ومسؤولية لا تغفل.
ظل القلم عبر العصور السلاح الأصدق للصحفي. ليس سلاح هجوم أو تشهير، بل درع يدافع عن الحق، ومشرط يكشف الزيف، ومنبر يوصل صوت الوطن والمجتمع بصدق. الصحافة رسالة سامية، قائمة على الأمانة والتحقق واحترام عقل القارئ. هدفها الأول بناء الوعي العام، وترسيخ القيم الوطنية والإنسانية التي تماسك بها الشعوب.
لكن زمن المنصات المفتوحة غيّر المعادلة. منحت الشبكات الاجتماعية الجميع حق النشر، فاختلط الغث بالسمين، وبرزت أصوات تدّعي الإعلام وهي أبعد ما تكون عن أخلاقياته. تمارس التضليل، تنشر معلومات غير مدققة، وتصنع الإثارة على حساب الحقيقة. هؤلاء لا يمثلون الصحافة المهنية التي تقوم على توثيق المصادر والالتزام بالميثاق. غايتهم تحقيق مكاسب شخصية، حتى لو كان الثمن تشويه الصورة العامة والمصلحة الوطنية.
وعندما تتطاول أقلام على وطن بحجم سلطنة عُمان، وتشك في منجزاتها أو مواقفها الراسخة، فإنَّ الرد لا يكون بخطاب انفعالي ينجر إلى فخ الإساءة. الرد يكون بمستوى الوعي الذي عُرفت به عُمان عبر تاريخها. القانون كفل حرية التعبير المسؤولة، وفي الوقت نفسه وفّر الحماية لكل من يتعرض للتشهير أو نشر الأخبار الزائفة. الاحتكام إلى القانون، وتقديم الحقائق للرأي العام بموضوعية وشفافية، هو الطريق الأقوم لمواجهة التجاوزات.
لقد أثبتت السلطنة على مدى عقود أنها دولة مؤسسات وقانون. مكانتها الإقليمية والدولية لم تُبنَ بالشعارات، بل بالحكمة والاعتدال والعمل الدؤوب. هذه الحقائق الراسخة لا تحجبها مقالة مغرضة ولا منشور عابر. الإنجاز شاهد على نفسه، والتاريخ لا يضيع، وسيحتفظ دائمًا بالحقيقة مهما حاول البعض طمسها.
إن مسؤولية الدفاع عن الوطن وصون مكتسباته ليست مهمة جهة بعينها. هي واجب على كل مواطن مخلص، وكل إعلامي شريف، وكل كاتب يدرك وزن الكلمة وأثرها. القلم إما أن يكون أداة بناء تعلي صرح الوطن، أو وسيلة هدم تقوّضه. والفارق بينهما ضمير من يمسك به، يدافع عن الحقيقة، وبه يواجه التضليل، وبه يسهم في حماية الوطن وتعزيز مكانته للأجيال القادمة.
