حكايات سلمى (1- 3)

 

 

علي بن سالم كفيتان

 

قالت لي سلمى وهي تمضي أمامي وأنا صغير ﻻ أكاد ألحقها ماذا لو قابلنا وحش هل ستحميني يا أخي؟ لم أتردد وقلت على الفور ولماذا نقاتل الوحش؟

صمتت لبرهة ثم التفتت إلي مبتسمة وجثت على ركبتيها لتقترب من وجهي وقبلتني بين عيني وهي متأكدة أنني ﻻ أعرف معنى كلمة وحش في ذلك السن المُبكر فحاولت صياغة السؤال بطريقة أخرى وهي باحثة عن الإجابة التي تريدها.

في الحقيقة هناك الكثير من الصور الذهنية للبطولة التي تولد مبكراً مع كل ذكر ومعظمها ترى المواجهة المباشرة قمة البطولة، حتى لو أدى ذلك إلى نتيجة مأساوية لتنسج قصص البطولة والفداء وتصبح جزءًا من أدبيات هذه الشعوب.

قصة سلمى هذه ما هي إلا تكرار لذات السؤال الذي تردد ملايين المرات بين الأخت وأخيها وبين الحبيب ومن يُحب وبين الأم والابن وجميع الأسئلة تنتظر نفس الجواب!

لست نادمًا على جوابي لسلمى بقولي ولماذا نواجه الوحش؟ وفي الحقيقة أنا كنت أعي الكلمة لكنني أردت أن ابني توجهاً مختلفًا بأنَّ تجنب الوحش في كثير من الأحيان أفضل من مواجهته لكنني في المساء وجدت نفسي أمام مساءلة ﻻ ترحم وضعتني في زاوية ضيقة فسلمى بلغت أمي بالإجابة وأبي جالس على النَّار بعد يوم مرهق من مواجهة آلاف الوحوش الوهمية التي صنعتها الأسطورة التي لا تعترف بالانسحاب وﻻ تُؤمن بتأجيل المواجهة.

ورغم أن سلمى كانت تقوم بكل المهام في كل نهار إلّا أنها تنسبها إليَّ وتنسج لي من خيالها الواسع بطوﻻت لم أقدم عليها وتجيد صناعة الحدث وإخراجه ليكون في المساء حكاية تروى على النار مع قريناتها من بنات القرية المتحلقات على النار والآنسات بالقمر، وأنا أشخر في حضن جدتي!

ذات صباح سألتني إحدى زميلات سلمى عن بطولتي في قتل أفعى كبيرة اعترضتنا وكيف انبريت لها وأنا صغير وقاومتها لساعات وأنا فاغرًا فمي لهول ما أسمع وعندما غادرت نظرت حولي وقلت في نفسي هل هو أنا؟ الحقيقة المُرَّة أننا ضحايا لقصص لسنا أبطالها.

هذا الغشاء الوهمي يجعل بعض المجتمعات تتمسك برداء لم تصنعه وتتلحف بمواقف عندما نقرأها بمنطقية نجدها أبعد كل البعد عن المثالية التي تنشدها.

الغريب أن جيل (z) يعيش نفس الحكايات ويغوص في ذات البطوﻻت، وأنا الذي أكتب لكم هذه الكلمات حكيتها لأبنائي ﻻ إراديًا.

كبرتْ سلمى وكبرتُ أنا وعندما نلتقي نلوك نفس القصص والحكايات ونقنع أنفسنا أننا صنعنا مجدًا لن يطوله أحد بعدنا.

الأكثر قراءة

z