محمد بن رامس الرواس
التاريخ ليس مجرد سردٍ للأحداث الماضية فقط، بل هو مختبرٌ حيّ تتكشف فيه سنن الله في الخلق، ونتائج خيارات الأمم والأفراد، وإذا ما تأملنا في شواهد التاريخ، من هلاك عاد وثمود إلى ما نشهده اليوم من اتباع الآخرين وتقليدهم سواء على حق أو باطل، والذهاب معهم أينما ذهبوا، نجد أن هناك خيطًا واضحًا يربط بينها جميعًا؛ إنه العقول المتحجرة والتقليد الأعمى الذي يلغي الحقائق، حتى باتت بعض العقول لا ترى إلا ما ورثوه من أفكار ومعتقدات، ولا يتبعون إلا ما ألفوا عليه أجدادهم، متجاهلين نداء الفطرة ومنطق الحق الذي جاء به الأنبياء ليحرروا الإنسان من قيود التقليد الأعمى ومن متلازمة الاستعلاء على الحق.
إن أخطر ما يواجه المجتمع هو التعصب للرأي حتى وإن كان هذا الرأي باطلًا، ولقد صوّر لنا القرآن الكريم هذا المشهد في أبهى صور الوعي النقدي، حين واجه الأنبياء أقوامًا ليرشدوهم للحق فقالوا: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ (الزخرف: 22)، هذا النوع من العقول لا تمارس التفكير كعملية بحثٍ عن الحقيقة، بل تمارس الامتثال كآلية للبقاء الاجتماعي، إن التمسك بالتراث لا يعني تقديس الخطأ، فما نفع إرثٍ لا يضيف إلى كرامة الإنسان قيمة، ولا يزيده من الحق بصيرة؟ إن العقل الذي لا يملك وعيًا يغدو سجنًا لصاحبه، يمنعه من رؤية المتغيرات ويحجبه عن استيعاب الحقائق الجديدة، ويجعله في فخ ثقافة الإمّعية، الامتثال بدون تفكير.
والعقل الذي لا يتدرب على التفكير النقدي يتحول سريعًا إلى عقل يتبع الناس دون أدنى تفكير؛ حيث إن هذا السلوك الاجتماعي هو أحد أخطر مهددات التطور الفكري، حيث يخشى الفرد الخروج عن الجماعة التي يقصدها، حتى لو أدرك يقينًا أن الجماعة على خطأ، وقد وضع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حدًا حاسمًا لهذه الممارسة في قوله: «لا يكُن أحدُكم إمّعة... ولكن وطّنوا أنفسكم، إن أحسن الناس أن تُحسنوا، وإن أساؤوا ألا تَظلِموا». إن هذا الحديث يمثل جوهر التربية العقلية المسؤولة؛ فالإنسان مطالب بأن يكون صاحب موقف لا مجرد صدىً لمواقف الآخرين، من أجل هذا أصبحت هناك ضرورة للتجديد والتفكير النقدي.
والمسلم صاحب مبدأ وقيم راسخة، ينطلق في سلوكياته من مبادئ دينه وأخلاقه، لا من أهواء الناس وتصرفاتهم.
والمسؤولية تقع على عاتق العلماء والمثقفين وأصحاب الفكر في تليين العقول التي صلبتها بيئة التقليد، إن تقييم الموروث، وتمحيص الأفكار السائدة، وربطها بمعايير الحق، ليس دعوة للانفلات، بل هو ممارسة الوعي الرشيد، فالتراث الحقيقي هو ما كان قابلًا للحياة، متسقًا مع الدين الحنيف والمنطق، وموافقًا للفطرة. أما التراث المتحجر، فهو قيدٌ يجب فكه لننطلق نحو أفق الإبداع والعدالة، إننا اليوم في أمس الحاجة إلى عقولٍ مرنة، قادرة على الأخذ والعطاء، تتقبل الحق، وتنبذ الباطل وإن كان من إرث الأجداد.
وأعجبُ ما أعجب له من أمر بعض المشاركين في وسائل التواصل الاجتماعي الذين يثنون على مواقف أناس لا يعرفونهم ولا يعرفون عنهم شيئًا، أينما رأوا الناس تشيد بهم فتبعوهم.
ختامًا.. إن تحرير العقل من التحجر والتبعية والتقليد الأعمى هو السبيل الوحيد لإنقاذ الفرد والمجتمع من التهلكة الفكرية، إن بقاءنا على هذه البسيطة مشروط بمدى قدرتنا على تجاوز ثقافة الاتباع دون تفكير، لذا لا بد من الارتقاء إلى ثقافة الوعي لنكن ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، لا ممن يتبعون الموروث دون تفكير، فالعقل الذي لا يراجع نفسه، هو عقلٌ يسير في طريق مسدود، ولن يجد مخرجًا إلا عندما يجرؤ على كسر القالب الذي وُضع فيه، ويستعيد استقلاليته في اختيار الحق الذي مصدره القرآن الكريم وسنة نبينا الأمين عليه أفضل الصلاة والتسليم.
إنني أرى أهمية التركيز على المناهج التعليمية لتغيير هذا النمط من التفكير، بجانب زيادة الثقافة المجتمعية عبر خطب الجمعة، وزيادة الجرعات الثقافية بالمبادرات المجتمعية التوعوية.
