العابرون نحو الملكوت

 

 

ريم الحامدية

لطالما أؤمن أن المواقف هي المصدر الرئيس في الكتابة؛ باعتبارها -أي المواقف- المجداف الذي يُحرِّك ركود الحبر في قلمي، لكن صباح الثلاثاء الماضي، كان الوضع مختلفًا واستثنائيًا؛ إذ لم يكن مُلهمي موقفًا، بل طريقي إلى ولاية صور، عروس محافظة جنوب الشرقية؛ حيث تُعانق الجبال الشامخة هدوء البحر وربما فورانه.

استغرقتُ في التأمُّل ساعتين كاملتين.. ساعتان كنتُ أحتاج إليهما منذ فترة طويلة، فما إن سلكتُ ذلك الطريق، حتى أبحرتُ في تأمُّل منعطفاته الممتدة، وكيف تُجبِر المنحنيات الجبلية العابرين على التمهُّل، لا لتعطيلهم، بل لتحميهم من خطر الهاوية، ولتكشف لهم عن مشهدٍ بحريٍّ ساحرٍ لم يكونوا ليروه في خط مستقيم.

هناك، بين صمت الجبال وعُمق المدى، تجلَّت في ذهني فكرة تُشبه هذا الطريق تمامًا؛ فكرة أن الإنسان في رحلته يُشبه عابر طريق غافل، يظن أن كل انحناء عثرة، وكل تأخير خسارة، غير مُدركٍ للطف الخفي الذي يُدير هذه المنعطفات.

كم مرَّة يفوت الإنسان قطارًا، أو حافلة، أو فرصة كافح من أجلها، فيضيق صدره ويظن أن الحظ قد خذله؟ إننا نبكي كثيرًا على فوات الأشياء، لكننا ننسى أن فوات الحافلة قد يكون نجاةً من حادث مروِّع في منتصف الطريق، وأن بعض التأخير في حياتنا ليس إلا مهلةً يمنحها الغيب للأرواح لتلتقط أنفاسها، وتحتمي من شرور لم تكن تراها.

وحين يُغلق في وجه المرء بابٌ، أو يُقابل بالرفض في مكان تمنى الانتماء إليه، ينكسر الخاطر ويحلُّ الإحباط. غير أن الرفض في حقيقته ليس دليلًا على قلة الحيلة، بل هو جرس إنذار مبكِّر يقول إن هذا المكان لا يُشبهك، والملامح هنا لا تُشبه نقاءك.

كذلك حال القلوب التي ترحل؛ إذ إن غياب البعض ليس عقابًا، بل هو خريف اضطراري تتساقط فيه الأوراق الذابلة من شجرة حياتنا، لتُفسح المساحة والضوء لأشخاص يستحقون البقاء، ويحملون في قلوبهم ربيعًا دائمًا.

أظن أن أغلبنا مرَّ بهذه التجربة بشكل أو آخر، وظيفةٌ لم نحصل عليها فحزِنَّا بما يكفي، ثم وجدنا أنفسنا في مكانٍ أفضل، فرصة ضاعت، مشروع تعثَّر، حُلم تأخر، فامتلأنا بالأسئلة والاعتراضات قبل أن نُدرك بعد سنوات أن ما حدث كان يحمل لنا خيرًا لم نكن قادرين على رؤيته وقتذاك.

دعونا نتفق، أيها الصحب، أن المشكلة ليست في الأحداث نفسها، بل في زاوية نظرنا إليها، فنحن أبناء اللحظة نحكم على الأشياء من حجم الألم الذي تتركه فينا الآن، لا من أثرها البعيد. نريد إجاباتٍ وحلولًا فورية لكل شيء، ونبحث عن معنى لما يحدث في اللحظة ذاتها، بينما بعض المعاني تحتاج إلى سنوات كاملة حتى تُكتشف، ولهذا السبب يبدو المنع قاسيًا.

ولعل أكثر ما تُعلِّمنا الحياة مع مرور الأعوام أن الخير لا يأتي دائمًا بالهيئة التي نتوقعها. أحيانًا يأتي على هيئة تأخير. وأحيانًا يأتي في صورة خسارة. وأحيانًا يرتدي ملامح خيبة كاملة، بينما يُخفي في داخله رحمةً كبيرة. نحن نحتفل عادةً بالأبواب التي تُفتح، لكننا ننسى أن بعض الأبواب المغلقة تستحق الامتنان أيضًا.

وأثناء تأمُّلي لذلك الطريق الطويل، أدركتُ أن جزءًا كبيرًا من نُضج الإنسان لا يكمن في قدرته على تفسير كل ما يحدث له، وإنما في قدرته على تقبُّل أن بعض الأشياء لن يفهمها الآن، وأن عليه أن يمضي رغم الأسئلة، وأن يثق بالله رغم الغموض.

لذلك، حين لا تسير الأمور كما خطَّطت لها، وحين يتأخَّر ما تمنيتَ، وحين يُغلق باب كنتَ تظن أنه وجهتك الأخيرة، لا تتعجَّل الحكم على القصة، فما تراه اليوم نهايةً، قد يكون بدايةً لا تراها بعد، وما تراه خسارةً، قد يكون حمايةً.

أما أنا، فقد وصلتُ إلى وجهتي في صور بعد ساعتين من الطريق، لكنني أشعر أن الرحلة الحقيقية لم تكن إلى هناك، ولكن إلى فكرة ظلَّت تُرافقني طوال الطريق: أن الحياة لا تأخذ دائمًا بقدر ما تُعطي، وأن بعض النعم لا تأتي إلينا عبر الأبواب المفتوحة، وإنما من خلال شقوق أو نوافذ صغيرة لم نحسب لها حسبانًا.

الأكثر قراءة

z