"رائية" القاضي محمد بن صالح الطائي مُشيدًا بالسلطان تيمور والإمام الخليلي في استقبال سليمان الباروني

 

ناصر أبوعون

أولا - قصيدة (لَيْثُ الْجَحْفَلِ الْجَرّارِ)

[أَهْلًا بِلَيْثِ الْجَحْفَلِ الْجَرّارِ/ مُرْدِي الْعِدَا بِحُسَامِهِ الْبَتَّارِ - أَهْلًا بِمَنْصُورِ الْلِّوَاءِ عَالِي الذُّرَى/ جَلِدٍ لِكُلِ كَرِيَهَةٍ صَبَّارِ- كَهْفِ النَّدَى غَيْثٍ إِذَا ضَنَّ الْحَيَا/ جَادَتْ يَدَاهُ بِدِيمَةٍ مِدْرَارِ- أَهْلاً بِمَنْ شَهِدَتْ لَهُ أَعْدَاؤُهُ/ وَالرَّميُّ مِثْلَ الْوَابِلِ الْمِدْرَارِ- حَتَّى غَدَوا مِنْ بَأْسِهِ فِي حَسْرَةٍ/ وَتَشَتُّتٍ وَكَآبَةٍ وَدَمَارِ- فَلَئِنْ أُتِيْحَ لَهُمْ مَرَامُ فِي الَّذِي/ قَدْ أَمَّلُوا بِسَوَابِقِ الْأَقْدَارِ- لَمْ يَطْمَئِنُّوا آمِنِيْنَ فَإنَّمَا/ تَحْتَ الرَّمَادِ بَقِيَّةٌ مِنْ نارِ- إِيْهٍ بَنِي (الطَّلْيَانِ) كَيْفَ قَرَارُكُمْ/ فِي أَرْضِ قَوْمٍ كَالْأُسُوْدِ ضَوَارِ؟ (آلَ الْبَرُوْنِيّ) شِدْتُمُ صَرْحَ الْهُدَى/ وَرَفَعْتُمُ مِنْهُ رَفِيْعَ مَنَارِ- فَخْرًا (سُلَيْمَانُ بنُ عَبْدِ اللهِ) قَدْ/ بَهَرَتْ صِفَاتُكَ نَاظِمَ الْأَشْعَارِ- حُيِّيْتَ يَا بَطَلَ الْعُلَا مِنْ زَائِرٍ/ اِنْزِلْ بِخَيْرِ حِمًى وَخَيْرِ   مَزَارِ- هَذِيْ عُمَانُ دَارُ قَوْمِكَ طَالَمَا/ غُبِطَتْ (نَفُوْسَةُ) فِيْكَ مُذ أَعْصَارِ- شَرُفَتْ (سَمَائِلُ) إِذْ نَزَلْتَ بِرَوْضِهَا/ بِجِوَارِ خَيْرِ الْعُرْبِ خَيْرِ جِوَارِ- أَعْنِي إِمَام الْمُسْلِمِيْنَ (مُحَمَّدًا)/ عَيْنَ الزَّمَانِ وَصَفْوةَ الْأَبْرَارِ- مِنْ بَعْدَمَا شَرَّفْتَ (مَسْقَطَ) نَازِلَاً/ بِحِمَى مَلِيْكٍ سَيِّدٍ مِغْوَارِ- ذَاكَ الهُمَامُ (أَبُو سَعِيْدٍ) مَنْ نَمَا/ مِنْ دَوْحِ خَيْرِ أَرْوِمَةٍ وَنِجارِ- هَذَا وَخَيْرُ صَلَاةِ رَبِّي دَائِمًا/ لَنَبِيِّهِ وَصَفِيِّهِ الْمُخْتَارِ- وَالْآلِ وَالْأَصْحَابِ مَا سَجَعَتْ عَلَى/ فَنَنِ الْغُصُونِ سَوَاجِعُ الْأَطْيَارِ].

ثانيًا - مناسبة القصيدةصور داخل النص (3).jpeg

ارتجل الشيخ القاضي محمد بن صالح الطائي هذه القصيدة على سبعَةَ عَشَرَ بيتًا، في حفل استقبال (المجاهد الليبيّ) سليمان باشا الباروني بولاية سمائل عام 1924م. وقد ألقاها الشاعر بحضرة إمام السلام العلّامة الشيخ محمد بن عبدالله الخليليّ، في محفل مهيب، وقد أفاض الشاعر في مدح شجاعة الباروني وبطولاته الحربية أثناء مناهضته الاحتلال الإيطاليّ المدعوم فرنسيا وبريطانيا إبان كانت بلاده ليبيا ولايةً عُثمانية. والجدير بالذكر أن سليمان باشا الباروني آوى إلى عُمان في الفترة 1924-1940م.

ثالثا - السيرة الذاتية للشاعر

من الملفت للنظر أن الآثار الشعرية للشيخ القاضي محمد بن صالح الطائي ما زالت مندثرة، بل ضاع الكثير من إنتاجه الأدبيّ؛ لعوامل شتّى، وقد أرّخَ لسيرته الأدبية الجزائريّ حاج إبراهيم بن عيسى، أبو اليقظان، في كتابه (سليمان الباروني في أطوار حياته - الدار العُمانية - مسقط 1956م)، وله ترجمة أخرى في كتاب: (شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عُمان) لـ(محمد بن راشد الخصيبي)، وتذكر المصادر المعتبرة أن الشيخ القاضي محمد بن صالح بن عامر بن سعيد بن عامر بن خلف الطائيّ بلغ شأوا عاليا في الفقة والقضاء؛ فقد كان الناس يرجعون إِلى رأيه، ويطلبون مشورته، ويستأنسون بمحبته، ويعملون بفتواه، ويستنيرون بأنوار حكمته؛ كونه كان كثير الاتصال بمجالس العلم وأشياخ عصره من العُمانيين الأفذاذ،  غير أنه في مطلع شبابه قاسى محنة النفي إبان الحرب العالمية الأولى على أثر مشاركته في الدعوة إلى استنهاض عُمان والمطالبة باستقلالها، فأُبْعِدَ قسريًّا إلى الهند سنة 1323 هـ مع ثلاثة من أقاربه، هم: ابن خاله "الشاعر أبو سلام سليمان بن سعيد بن ناصر الكندي"، وعمه: "سليمان بن عامر"، وابن عمه "علي بن ناصر بن عامر بن سعيد" من آل طيّ.

وُلِدَ الشيخ القاضي والشاعر محمد بن صالح الطائيّ في (مسقط) عاصمة سلطنة عُمان، ونشأ وترعرع في أفيائها مطلع صباه، فلمّا شبّ عن الطوق لازم مجلس أبيه قاضي مسقط فدرس على يديه أصول الفقه الإسلاميّ، ثم طفق ينهل من معينه اللغويّ فحوى علوم البلاغة، وجمع فنون البيان في صدره وخطّها في كراريسه.

وطلبًا للاستزادة من علوم العربية على اختلاف فروعها رحل الشيخ محمد بن صالح الطائي إلى (سمائل الفيحاء) -مأوى أجداده الذين نزلوها قادمين من وادي (طيوي) الذي انتسب اسمه إلى قبيلة (طَيء) بعد دخولهم عُمان قادمين من اليمن إثر خراب سد مأرب-، فدرس على أشياخها المتون؛ فلمّا اشتد عوده، واستقام لسانه، وصَفَتْ مشاربُه، وتَشَرَّبَ علوم الفقه، انتقل إلى (نزوى) بيضة الإسلام، فجلس إلى علمائها، وكرع من أفلاج العلم في مرابعها، وقرأ الأصول على أسماع أقطابها، ثم عاد إلى مسقط قاضيًا في المحكمة الشرعيّة زمنَ السلطان تيمور بن فيصل، ثم انعقدت له إِمْرَةُ القضاء مرةً أخرى في عهد السلطان سعيد بن تيمور بعد وفاة أخيه الشيخ عيسى بن صالح قاضي قُضاة مسقط.

صور داخل النص (2).jpeg
 

رابعًا- - السيرة الذاتية للباروني

نشأ سليمان باشا الباروني في طرابلس الغرب، وتنقّل بين برقة وفزان في (ليبيا)، واستوثق علوم اللغة والأدب في جامع الزيتونة بتونس، واحتلب علوم الشريعة والفقه في أحضان الأزهر الشريف بمصر، ثم عاد إلى وطنه. وفي مطلع القرن العشرين كان البارونيّ أول عربيّ يؤسس جمهورية عربية في طرابلس الغرب، وأعلن قيام حكومة مستقلة عن الباب العالي في إسطنبول، ونظَّم جيشًا ليبيًا حديثًا. وفي عام 1908م أصدر العدد الأول من (جريدة الأسد الإسلامي)، وفي صدر صفحتها الأولى كتب سليمان البارونيّ افتتاحيتها داعيا إلى تأسيس"جامعة الدول الإسلامية" مستغلًا مناخ تعاطف الأقطار العربية مع النازيّ الألمانيّ، ومساندتها للمحور "التركي-الألماني" كطريق أجدى للخلاص من الاستعمار الأوروبيّ. وفي عام 1919، غادر الباروني إلى الأستانة وتفاجأ بانقلاب مصطفى كمال أتاتورك على الخلافة العثمانية وإعلان علمانيّة الدولة، فوجد نفسه مُطارَادًا من استخبارات القوات البريطانية والفرنسية والإيطالية؛ فطلب وساطة السلطات السعودية لدى الإنجليز لتمكينه من الرحيل إلى العاصمة العُمانية مسقط، فرحّب به السلطان السيد تيمور بن فيصل بن تركي، وأصدر مرسومًا بتفويض الباروني في تنظيم (الشؤون المالية والعسكرية لسلطنة مسقط وعُمان)، وكلّف وفدًا عُمانيًا رسميًا باستقباله ومرافقته في التجوّل بين سائر ولايات عُمان برئاسة قاضي قضاة مسقط الشيخ عيسى بن صالح الطائي وأخيه محمد.

صور داخل النص (1).jpeg
 

 

خامسًا - تحليل القصيدة أسلوبيًّا

في هذه القصيدة لم يكن الشيخ القاضي محمد بن صالح بن عامر الطائي في هذه القصيدة بالمغالي، ولا المبالغ فقد انتصف لشخصية سليمان الباروني، وعرّج على حياته العلمية والسّياسيّة، وأشار إلى آثاره الأدبية، ودوره في صياغة التاريخ السياسي للأمة، ونضاله ضد الطليان وتأسيسه أول جمهورية عربية، ونوَّه إلى دوره الإعلامي والثقافي، وأشار إلى أفكاره الإصلاحية ومدى تأثيره في إيقاظ الهمة في وعي الأمة تحت مظلة الخلافة العثمانية، ثم تحدث عن رحلاته الجهادية ما بين مصر وفرنسا وتونس وعُمان وبلاد الهند؛ غير أن المرحلة العُمانيّة في حياة الباروني لو اكتملت في عين حياته لتغيَّر وجه الخليج العربي، وسرت في جسد العروبة من المحيط إلى الخليج أمواهٌ كثيرة خاصة وأن الرجل كان على مراسلات عميقة الأثر والتأثير مع كثير من الأئمة والسلاطين، وترك من الآثار العلميّة ما قد يكون كفيلا بإعادة ترتيب الحياة العربية وخلع أرديتها القديمة والانفتاح الفكري على الأمة الإسلامية في جميع أطراف البسيطة، والإذن ببدء مرحلة جديدة من الوحدة الإسلامية الجامعة.

وتكشف القراءة الأسلوبية لنا عن قصيدة بُنَيَتْ من لغة فخمة ذات طابع تراثي، اعتمدت العديد من المعاجم، ووظّفتْ أساليب النداء والمدح، واستثمرت الصور البيانية والإيقاع القوي لتشكِّل لنا صورة ذهنيّة عن سليمان باشا الباروني بوصفه بطلًا مقاومًا ورمزًا عربيًا وإسلاميًا. وقد نجح الشاعر محمد الطائيّ، عبر اختياراته اللغوية والصوتية والتركيبية، في تحويل مناسبة زيارة البارونيّ لولاية سمائل إلى خطاب شعريّ احتفائي مزج بين الترحيب الشخصيّ والتمجيد القومي، فجاءت القصيدة مِثالًا واضحًا على الأسلوب الحماسي في الشعر العربيّ التقليدي.

فعلى مستوى (معجم البطولة والكرم)، صوَّر الشاعر محمد الطائي المناضل الليبيّ سليمان الباروني كبطل أسطوري، متجاوزًا النزعة الفرديّة، ومُثَبِّتًا دوره كرمز قوميّ نضاليّ. وتجلّى هذا المعجم في العديد من الموضوعات؛ ولكن كان أكثرها في موضوع (البطولة والفروسيّة) عبر سلسلة من المفردات نذكر منها: "ليث، الجحفل الجرار، حسامه البتار، منصور اللواء، بطل العلا، مغوار"، ثم يُعرّج بنا الشاعر على مرحلة الصراع العسكري والحروب النضالية في مقاومة الاستعمار الإيطالي والأوربيّ في شمال إفريقيا وخاصة ليبيا عبر روزنامة من الألفاظ المحمّلة بالدلالات: "نار، الطليان، الأعداء، بأسه، دمار"، ثم أضاف شاعرنا للباروني معجما آخر من صفات الكرم والعطاء، وهي من الصفات العربية الأصيلة في غرض (المديح)، عبر سلسلة من الألفاظ نذكر منها: "كهف الندى، غيث، ديمة مدرار". أمّا على مستوى (التركيب الأسلوبيّ) فإحصائيّا وجدنا الأسلوب الإنشائي يتسيّد ساحة القصيدة وخاصةً (أسلوب النداء) الذي تكرر كثيرا ليضفي على القصيدة طابعًا احتفائيًّا، وأبان عن حرارة الترحيب بالباروني، فناداه شاعرنا الطائيّ: بـ"حُيّيت يا بطل العلا، أهلًا بمنصور اللواء، أهلًا بليث الجحفل الجرار"، ثم التفتَ لينادي على المستعمرين: "إيه بني الطليان".

وقد لاحظنا إكثار الشاعر الطائيّ من الجمل الاسمية؛ للتأكيد على عدد من الحقائق في شخصية سليمان الباروني وتثبيت صورته الذهنية كبطل مقاوم في عقول السامعين، مثل قوله: "هذه عُمان دار قومك، تحت الرماد بقية من نار". وقد رصدنا في القصيدة سمة توالي (النعوت) بكثرة؛ تعمّدها الشاعر الطائيّ عن قصد بهذا الأسلوب تراكما وصفيا لإعلاء شأن سليمان الباروني، وتضخيم صورته كبطل قوميّ؛ كما في قوله: "سيد مغوار، حسامه البتار".

أمّا على مستوى التصوير البيانيّ، فقد اصطنع شاعرنا الشيخ القاضي محمد بن صالح الطائي مجموعة من الصور الشعريّة الحماسية المقتطعة من صميم البيئة العربية والعُمانية؛ مثل قوله: "تحت الرماد بقية من نار"، وهي استعارة صوّر من خلالها مقاومة الباروني للاستعمار بالنيران المتوهجة تحت الرماد؛ للإيحاء بأنّ روح الجهاد في الشعوب العربية لن تنطفيء مادام في صدور رجالها أنفاسٌ تنبض بالحياة، وفي قول الطائيّ:" كهف الندى غيث إذا ضن الحيا" صورة شعرية تجمع بين كرم الممدوح وإغاثته للملهوف، وفيها تشبيه للباروني بالغيث وقت القحط. أما تشبيه الشعب الليبي في قوله:"في أرض قوم كالأسود ضَوارِ" فقد رسم من خلاله صورة جماعية لجحافل المقاومة الليبية ضد الطليان.

وعلى المستوى الصوتي فقد اختار شاعرنا محمد الطائيّ (بحر الكامل)، لأسباب عديدة؛ أهمها: لأنه بحر نغماته حماسيّة، وتفاعيله واحتفائية تناسب غرض المديح، فضلا عن كونه يعطي إحساسا للمستمع بتتابع الحركة، وقد استعان شاعرنا الطائي بحرف الروي (الراء المجرورة)؛ لإيصال إحساسه المفعم بالتدفق الإيقاعيّ الذي طبع القصيدة بجرس موسيقيّ يتناغم مع نبرة الحماسة في نهاية كلمات القافية: "الجرارِ، البتارِ، المدرارِ، الصبّارِ، دمارِ" تسانده الحروف المجهورة التي تناسب عاطفة الفخر، مثل: "ر، ض، ق، ط"؛ فأضفت قوة صوتية صُلْبة تناغمت مع موضوع المقاومة. أمّا على مستوى الانتقال من اللغة العادية المستألفة على آذان السامعين إلى لغة شعرية، فقد كان (الانزياح) اللغويّ والبياني وسيلة شاعرنا في تكثيف القصيدة بالألفاظ والصور المشحونة بالدلالات؛ مثل "ليث، غيث، كهف الندى"؛ لما تتضمنه من مجازات نقلت سليمان الباروني من صورة واقعية إلى صورة البطل النموذجي والرجل المثاليّ.

وفي الأخير يبقى القول: لم تنقطع السيرة العطرة للشيخ القاضي محمد بن صالح الطائيّ، ولم تندثر آثاره؛ بل أورقت شجرته، وتفرّعت ذريته، في أبنائه الخمسة: (عبدالله وسليمان، ونصر، وسعيد، وفاطمة)، وظهر منها النابغون والأفذاذ الذين حملوا مشاعل التنوير الوضاءة، ونثر بنوه وأحفاده بذور المعرفة في سهول عمان وتوزع عطاؤهم من حدود البصرة العراقية إلى حواضر المحيط الهندي، وأزهرت ورودهم في سائر دول الخليج العربي؛ وخَلَفَ من بعدِهِ خَلْفٌ أطاعوا الله، ونشروا العلم وأينما ترحَّلُوا اخضوضرت قِفارُ المعرفة تحت أقدامهم أدبًا وعلومًا وفنونًا وتحضُّرًا.

 

 

الأكثر قراءة

z