قبائل طيء في عُمان.. بطونهم ومواطنهم وأعلامهم وآثارهم

 

 

وثيقة.jpeg

لقد كانت حادثة انهيار سد مأرب (سنة 115 ق.م) لحظة كبرى ومفصليّة في تاريخ أمّة العرب كعِرْقٍ بَشَريٍّ متفرّدٍ في السمات والجينات، وقوميّة لها خصوصيتها التاريخيّة وثقافتها المتوارثة إلى اليوم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. ولن تستأصل شأفة العروبة مهما تكسّرت عليه سهام المؤامرات الموجهة إلى صدرها من كل حدب وصوب؛ لارتباط وجودها بالقرآن الذي تعهّد الله بحفظه من التحريف والتدنيس برسم أصغر وثيقة إلهية ودستورية، في تاريخ الشعوب من سبع كلمات هي: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}.

ومن نافلة القول؛ فإنّ أمّة العرب شهدت مع انهيار سدّ مأرب ولادة جديدة، فصمدت سلالتها، ولم ينقطع أثرها، وانبعثوا من تحت أنقاضه زاحفين زرافات ووحدانا باتجاه الشمال، وكان السواد الأعظم من النازحين في "الهجرة الأولى بعد انهيار السدّ" جُلّهم من "الأزد" و"بني نبهان من طيء" القحطانيّين، وبصحبتهم غيرهم من القبائل العربية اليمانية وِفْقَ ما أورده "أحمد وصفي زكريا" في كتابه: "عشائر الشام".

قبيلة طيء في عُمان وجزيرة العرب

وعلى أثر انهيار سد مأرب خرجت قبيلة طيء القحطانيّة من اليمن، ثم حطُّوا رحالهم على حدود عُمان، وكما ورد في رواية (محمد بن جرير الطبري) فقد انشطر "بنو نبهان (أبناء طيء) إلى فَصيلين: أمّا الفصيل الأول فكانوا أولاد (نائل بن نبهان بن عمر من طيء)؛ وهؤلاء واصلوا المسير باتجاه سلاسل جبال (حائل) في شبه جزيرة العرب، واستوطنوا جَبَلَين شهيرين هناك هما: (آجا) و(سلمى)، ولم يلبثوا حينا من الدهر حتى انطلق رهطٌ منهم إلى بلاد الشام الكبرى والعراق، وقد وصفهم الرومانُ والفرسُ وسائرُ الأمم المعاصرة لهم بـ(الطائيين السُّريان)؛ لأنهم أول من وضع قواعد (اللغة السُّريانيّة) اشتقاقا من اللغة (الآراميّة)، وإليهم ينتسب الشاعر المُقلُّ إنتاجًا والصحابيّ الأجلّ إحسانًا وجهادًا المشهور بـ(زيدٌ الخير). أمّا الفصيل الثاني فهم (أولاد سعد بن نبهان بن عمر من طيء)، وقد سلكوا الطريق إلى عُمان وحطّوا قوافلهم في (ريسوت) غربِيّ (صلالة)، ثم واصلوا المسير باتجاه (قلهات)، وأجدُّوا الزحف لاحقا باتجاه وادي (سمائل) ومنه إلى (نزوى) و(بوشر) لاحقًا.

وثائق (2).png
 

بطون قبائل طيء في عُمان

تؤكد المصادر أنّ هجرة القحطانيين من اليمن إلى الشمال بعد انهيار سد مأرب لم تكن هجرة واحدة؛ بل تتابعت هجراتهم في أفواج متتالية، واستقرّ شطر كبيرٌ منهم في عُمان. وقد تفرَّعت من قبيلة (طيّء)؛ بطونٌ شتّى، بلغت نحو 20 بطنًا أو أكثر حتى إنّ الجانب الشرقيّ من بلاد عُمان غلب على سكانه (أحفاد طيء)؛ فهم قد نزلوا إلى (حوزة مسقط) وعمروها، واستوطنوا في وادي (بوشر) شمالًا، نزولا إلى أودية (قلهات) و(صور) و(جعلان)، وأغلب قاطني هذه الولايات العُمانيّة عشائر وبطون وأفخاذ تفرّعت من (طيّء)، وصنّفها صاحبُ كتاب "إسعاف الأعيان في أنساب أهل عُمان". وبالتواصل مع بعض المشتغلين بعلم الأنساب من العُمانيّين؛ التقينا الباحث"يوسف أمبو علي"، فقطع القول: إنّ من نسل "طيّء" خرجت قبائل: [(الغريبيّ)، و(الحجيّ)،‏ و(الحوسنيّ)،‏ و(الحسنيّ)،‏ و(البهلانيّ) و(السرحنيّ أو السرحانيّ)،‏ و(الشِّبليّ‏)، و(‏الشرجيّ)‏ و(الشِّيديّ)،‏ و(البطاشيّ)، و(الضامريّ)،‏ و(‏المجلبيّ)‏، و(المشرفيّ)، و(الطائيّ/ الطيوانيّ)، ‏و(المعشريّ)،‏ و(‏الهاديّ)،‏ و(الهدَّابي)، و(بنو عرابة) و(الوهيبي)، و(فرعٌ من الزيديّ) خلافًا للفرع القرشي، و(العيسائيّ) -وهذا الأخير- يُقال إنه "أزديّ"‏.

وسائر ما سبق ذكره قبائل كهلانيّة سبأيّة قحطانيّة، أي يمانيّة. أمّا الباحث النسّابة سند بن حمد المحرزي؛ فقال في حديث خاص لنا: (الضامري) قيل بطن من بني محارب، وقيل من طيء، و(الهدابيّ) قيل من تميم، وقيل من طيء، و(العيسائي) قيل من الحدّان بن شمس الأزديّ وقيل من طيّء، أمّا (البهلاني) فالمشهور أنه من عبس بني رواحة وقيل من طيء، و(الريسي) من "طيء" وقيل من تميم، و(الحسنيّ) من طيء، وقيل من الأزد، أما (بنو لام) و(الغسيني) فهما من طيّء قولا واحدًا لا لبس فيه، وسمعتُ من الباحث يعقوب البروانيّ أنّ قبيلة (المخمريّ) ينتسبون إلى "طيء" وأما قبيلة (البطاشي) فيها قولان: قيل من الأزد، والمشهور من طيء، وهذا ما أكدته المحققة سلمى بنت سيف بن حمود البطاشي في بحث منشور لها، أمّا قبيلة (الغريبي) فليسوا من طيّء، وكذلك قبيلة "الشيدي" ليسوا من طيء، بل قيل إنهم من معولة بن شمس.

وثائق (1).jpeg
 

ما بين (طيوي) و(وادي الطائيين)

وأثناء ترحّل أبناء (طيء) داخل عُمان نزل شطر كبيرٌ منهم في وادٍ عظيم بين طودين شامخين، شمال غربي الطريق الموصّلة بين ولايتي (صور) و(بدبد) وتسطيل في مجراه أشجار النخيل لتظلل تلاله الصغيرة الممتدة على مسار ومرأى الطريق المعبّدة والمرصوفة بالحجارة الجيريّة التي تشق قلب الوادي، باتجاه قرية (محلاح)، وعندما تجدّ السير باتجاه الشمال ستندهش من التكوينات الفنية لصخور (الأفيوليت). وتعود تسمية هذا الوادي بـ(وادي الطائيين) نسبة إلى قبائل (طيء) التي نزلت به إثر خروجها من اليمن بعد انهيار سد مأرب، وكان (أولاد سعد بن نبهان بن عمر من طيّء) السواد الأعظم من سكانه، ثم عاشت طائفة أخرى من قبيلة الطائي (أبناء طيء) إلى قرية صغيرة في القلب من (ميبام) المجاورة لـ(وادي شاب)، سُميت لاحقًا انتسابًا إليهم بـ(طيوي) بعدما نزلوها وعاشوا فيها ردحًا من الزمن. وكثيرًا ما أطلق العمانيون على كل من سكنها اسم (الطيوانيّ)، وذلك على عادة العرب قديمًا في النسب إلى المكان؛ فيقولون: (نزويّ، وعقريّ، ومسقطيّ، وكدمي). ويذكر الرحالة ابن بطوطة (محمد بن عبدالله الطنجي (1304-1377) أنه نزل بـ(طيوي) في طريق رحلته إلى الهند ودوّنَ اسمها في كتابه باستبدال الواو باءً فبدلا من (طيوي) أسماها (طِيبي)؛ لكثرة ما رأى من بساتينها الطيبة، وملاحة طقسها، وتكاثر خيراتها. وفي القلب من (وادي الطائيين) في قرية (إحدى) عاش الجدّ الأكبر لقبيلة (الطائي) وكان يشتغل بالطبّ ومداواة المرضى، ثم خرج منها مع ولادة دولة اليعاربة؛ ثم نزحَ منها بعض الطائيين النابغين طلبا للعلم فاستوطنوا (سمائل) و(نزوى) و(بوشر).

طائيّ وليس طيوانيًّا أو بطاشيًّا

ذكرنا فيما سبق أن قبيلة (طيء) لما استوطنت أرض عُمان تفرّع منها 20 بطنًا منهم (الطائيّ/ الطيوانيّ)، وتتحدّر (قبيلة الطائي) العُمانيّة من جدّهم (الشيخ القاضي صالح بن عامر بن سعيد بن عامر بن خلف بن صالح بن محمد بن صالح بن سعيد بن علي بن أبي القاسم بن محمد بن سليمان بن سعد بن عبدالله بن ماجد بن سليمان بن سعد بن أبي علي بن محمد بن مصلح البُوشريّ (الطيوانيّ) الطائيّ جذورًا وأرومةً وظهْرًا وبطنًا)؛ أمَّا تسميته بـ(الطيوانيّ)؛ فهو انتساب إلى المكان -كما تقدم ذكره- كقولهم (نزويّ)، و(عقريّ)، ومن نافلة القول: لا توجد قبيلة عربيّة باسم (الطيوانيّ).

وأما ما شاع عن انتساب قبيلة (الطائيّ) إلى قبيلة (البطّاشيّ)؛ فهو انتسابٌ (حِلْفِيّ وليس قَبَلِيّ)، وذلك استنادًا إلى ما أفاد به الباحث والنَّسَّابة سند المحزيّ في قوله: "كان بينهم وبين الطائيين حلف سياسيّ ولذلك يرد في الوثائق القديمة الإشارة التعريفية إليهم بعبارة (الطيوانيّ البطاشيّ)"، وهذا التصحيح أكده أيضًا الشيخ القاضي محمد بن شامس البطاشيّ -رحمه الله- ووافقه عليه الكثير من العارفين بأصول القبائل والأنساب. وعليه -وفيما سيأتي تفصيله- فهم (طائيون) ينتسبون إلى (قبيلة طيء) القحطانية اليمانية ومن "أولاد سعد بن نبهان بن عمر"، واشْتُهِر جدهم الأكبر بـ(الطائيّ)، وعُثر على نسبهم مُثبتًا ومنحوتًا بالإزميل في زخارف المحراب الحجريّ لـ(مسجد الصاروج) في ولاية (سمائل)، نقله وقيَّده المستشرق الإيطالي د.إيروس بلديسيرا؛ أستاذ الأدب العربي بجامعة البندقية في إيطاليا أثناء رحلته إلى عُمان التي قدم لزيارتها ثلاث مرات (1986، 1988، 1993)؛ ليهتم بجمع الكتابات الموجودة في مساجد عُمان القديمة ودراستها، التي خرجت إلى النور في كتابه "الكتابات في المساجد العمانية القديمة".

الطائيون في جعفرية سمائل

وإلى اليوم ما زالت قبيلة (الطائي /الطيواني) ، وأفخاذهم يقطنون (الجعفريّة/الجيوانيّة) وتتعدد أملاكهم الموقوفة لهم بالميراث من أجدادهم؛ ومنها ما هو كائنٌ في (المجازة)، ويجري من تحتها (فلج الفرسخي/ الفرصخيّ)، و(بيت العود)؛ وهو ميراثٌ من جدّهم الأكبر القاضي صالح بن عامر بن صالح (الطائيّ الطيوانيّ)، وكذلك (البيت المشترك)، وهو مِلكٌ خالص لأبنائه وأحفاده، وعاش فيه كلٌّ من (هاشم وحمود وعلي بن موسى)، ثم أصبح ملكا لـ(سالم بن محمد بن أحمد وأخيه علي بن محمد بن أحمد الطائِيَين)، وأمّا ثالث آثارهم فيها فهو (سبلة جعفرية الطائيين /الطيوانيين)؛ غير أنها تهدّمت وسقطت حيطانها. وإلى اليوم ما زال (الطائيون الطيوانيون) الأحفاد يتقلّبون في أفياء (الجعفريّة)، وينعمون بذكرى أجدادهم تحت ظلال أشجارها، ويتشبثون بأوتاد جذورهم في طينةِ أرضها الطيبة، ويدبُّون عليها صباحَ مساء، ويطبعون آثار خطاهم، وفنون إبداعهم على جدران أزقّتها وحاراتها، وهناك طائفة من (الطائيين الطيوانيين) ما زالوا يتخذون من (الجعفريّة) موطنا لهم، ويترددون عليها نذكر منهم: الدكتور عبدالله بن حمود الطائي وأحمد بن صالح بن أحمد الطائيّ، وأبناء علي بن محمد بن أحمد الطائي، وأحمد بن علي بن موسى الطائيّ.

وثائق (1).png
 

الأعلام الطائيون في بوشر

وعلى سبيل القصر لا الحصر والاستشهاد لا الاستعراض الكامل نسوق هنا مسردًا لطائفة من أعلام قبيلة (الطائيين)، الذين استطونوا ولاية بوشر، وكانوا ملء السمع والبصر لا تخطئهم أعين الباحثين والدارسين، ولا يغض الطرف عنهم المحققون المستبصرون تمّ التأريخ لهم في العديد من الدراسات المطبوعة؛ نذكر منهم (خطامة أبو بِشْر الطائيّ) وهو من (بني نصر الطائيين)، وإليه انتَسَبَتْ ولاية (بوشر) وتسمَّتْ باسمه، ومن نسله نشأت فخيذةٌ من قبيلة الطائيّ تُسمى بقبيلة (بوشر السمائلية الطائيّة)، ومن أبناء عمومتهم (بنو عمر بن الصامت بن سعد) الجدّ الأكبر لقبائل: (الهادي) و(المشرفيّ) و(الرقاديّ)، وهم عينُهم الذين أشار إليهم الصَّحابيّ العُمانيّ (مازن بن غضوبة الطائي) فيما رُوي عنه من قصة إسلامه وما تناقله العمانيون من أبيات شعرية قرضها مشيرا إلى (عمر بن الصامت بن سعد الطائيّ) بقوله: [كسرت ناجزًا جذاذًا وكان لنا/ربًّا نطيف به عميا بطلالِ- بالهاشمي هدينا من ضلالته/ولم يكن دينه مني على بالِ - يا راكبًا بلغن (عمرًا) وإخوته أني لمن قال: ربي ناجز قالِ]. ومن أعلام نساء الطائيين الشهيرات يتردّد اسم (خودة) أو(خولة بنت نصر بن ربيعة بن سعد بن نبهان الطائية)، في العديد من الوثائق؛ وهي امرأة (طائيّة) وإحدى عمّات جدّ الصحابيّ (مازن بن غضوبة الطائيّ) رضي الله عنه.

ومن أعلام الطائيين في (بوشر) أيضًا الشيخ الفقيه (سعيد بن عامر بن خلف بن صالح بن محمد بن صالح بن سعيد بن علي الطيواني البطاشيّ العقري النزوي) وهو فقهاء القرن الثالث عشر الهجري، و تتلمذ على يديه العلامة المحقق سعيد بن خلفان الخليلي، ونسخ "شرح رائية الصلاة لابن النضر"،عندما كان مقيما في بوشر عام ١٢٦٧هـ وكان مرافقًا "للسيد مهنا بن خلفان البوسعيدي"، ومُعينا له في محنة ابتلائه بالعمى على إنجاز موسوعة "إجلاء البصائر".

ولا ننسى الشيخ حمد بن سعيد بن عامر الطيوانيّ، الذي استوطن بوشر بعد وفاة أبيه وكان وثيق الصلة بالعلامة الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، وإمام المسلمين عزان بن قيس البوسعيدي، وورد ذكره في وثيقتين؛ الأولى: كان أحد شهودها، وهي إقرار بيع الإمام عزان بعض ممتلكاته في الرستاق، احتسابا منه لصالح المسلمين في وقت حاجتهم إليه، وذلك بجانب العلامة الخليلي كاتب نص البيعة، والشيخ محمد بن سليم الغاربي شاهدا، والشيخ حمود بن عبدالله المشرفي شاهدا، ووثيقة أخرى كتبها الشيخ حمد بخط يده، توثق بيع أموال في بوشر للعلامة الخليلي، وشهد على وثيقة البيع الإمام عزان بن قيس البوسعيدي.

ومن النسوة الفقيهات الطائيات اللواتي كانت بوشر موطنًا لهم الشيخة زوينة بنت ماجد بن سليمان الطيوانية، وقد ورد اسمها في قسم تراجم الأعلام في كتاب "السلوى في تاريخ نزوى"،ولكن دون ترجمة عنها، ثم ورد اسمها أيضا في وثيقة مياه أفلاج نزوى، وذلك تحت رقم ٥٩، والشيخة زوينة تكون زوجة العلامة الفقيه سعيد بن عامر بن خلف الطيواني، وقد تركت نزوى معه في عام ١٢٤٩هـ، واستقرت في بوشر وماتت ودفنت بها.

وقد عثرنا على وثيقة بتوقيع سيف بن حمود البطاشي في شهادة مخطوطة له كتبها إملاءً عن والده، جاء فيها: "وفي جزء من بيان الشرع منسوخ للشيخ النزيه الثقة مسعود بن سعيد بن عبدالله بن عامر البراونيّ الحارثيّ؛ يقول الناسخ: إنها على يد الشيخ النزيه الرضيّ حمد بن سعيد بن عامر الطيوانيّ البطاشيّ). ومما نقرأه في الوثيقة"ولعلّ مبدأ هذه الأسرة كان بوادي الطائيين ببلدة (إحدى)، ثم خرجوا إلى (طيوي)، ومنها إلى (نزوى)، والمتبادر أن إقامتهم بنزوى مدة طويلة، وانحدروا منها إلى (بوشر) و(مسقط)، وكان منهم أيام السلاطين في مسقط قضاة وكتّاب.. هذا ما عندي من المعلومات عنهم والله أعلم".

والجدير بالذكر أنّ قبيلة (الطائيّ) وأبناء عمومتهم من قبيلة (الحسني) أحفاد قبيلة (طيء القحطانية) استوطنوا (ولاية بوشر) وتصاهروا، واتصلت أنسابهم، وتوطدت وشائج قرباهم، ونبتت من أصلابهم ذريّة بعضها من بعض، وما زالت تتخذ من (بوشر) موطنًا لها.

آثار الطائيين المُحدثين في بوشر

وفي كثير من الوثائق التي وردت فيها قرية (بوشر) يتردد اسم (سيبا المال)؛ أمَّا عن دلالة اسم (سيبا المال) ومعانيه فقد أجمعت المعاجم والمفهرسات على أنّ (السَّيْبُ: الْعَطَاءُ، وَالْعُرْفُ، وَالنَّافِلَةُ). و(سيبا المال) و(بيت الفوق) في ولاية (بوشر) أوقفهما البوسعيديون حُكّام عُمان على الشيخ القاضي صالح بن عامر الطائي/ الطيوانيّ، وكانت هذه المعالم الأثرية الطائيّة شاهدا على العديد من الأحداث التاريخية، والمطارحات العلمية، ويَرِد ذكرها في العديد من المخطوطات العُمانية المكنوزة المشهورة، والأراشيف الخاصة للعديد من النسّاخ والمحققين العُمانيين وجاءت مقرونةً باسم العديد من (أعلام الطائيين الأوائل).

 وشاءت الأقدار أن يُورّث (الشيخ القاضي عيسى بن صالح بن عامر الطيوانيّ) ابنه (هاشمًا) علوم الفقه والقضاء وفنون الأدب شعره ونثره ؛ فصار علما من أعلام زمانه في (بوشر)، وجلس موضِع أبيه في (سبلة الفوق) في (سيبا المال) وكانت السبلة في هذا الزمان بمثابة مدرسة علمية وفقهية، وحلقة علم يومية؛ لا تنفض مجالسها، ولا تخبو أضواء معارفها، ولا تنقطع أحاديث أعلامها، ولا تجف أمواه فقهائها تحت ظل شجرة (الشريشة) وارفة الظلال تؤتي أكلها من فنون العلوم والآداب كل حين بإذن ربّها بصحبة المشايخ الأجلاء (سماحة العلّامة إبراهيم بن سعيد العبري المفتي الأول في عُمان، وسماحة العلّامة حمد بن أحمد الخليلي المفتي الثاني، والقاضي خالد بن مهنا البطاشي، والشيخ سعيد بن حمد الحارثي، والشيخ القاضي إبراهيم بن عبدالله الكندي.. وكثيرون).

بوشر في عيون الشعراء الطائيين

ومن يدرس المنتوج الإبداعي وخاصة الشعريّ لعائلة الطائيين من الأخوة وأبناء العمومة والأحفاد وما خلّفته من تراثٍ أدبيّ يجد (بوشر) حاضرة في كل زاوية من سيرهم الذاتية، ومنتصبة كسارية بحرية في كل مخطوط تاريخي، وعلامة مضيئة في مسيرة أبناء الشيخ القاضي عيسى الطائي (حمود، وهاشم، وصالح من عقيلته خديجة (الكِنْديّة)، وحمد، ورُقية من قرينته (ثريا الطائية/ الطيوانية)، وذراريهم.

لقد كانت (بوشر) مسقط رأسًا للكثير من ذرية الطائيين ومهوى قلوبهم ومربط أشعارهم، ومسكن وجدانهم فكانت بساتينها ملاعب الصبا، وعاشوا في ظلال أفيائها، وعبّوا من مجاري أفلاجها، وقرضوا فيها الشعر وتغنوا بأيام الشباب تحت نخيلها الباسقات ونذكر منهم الشاعر صالح بن عيسى الطيوانيّ، الذي تغنَّى بها في شعره وحمَّلَ (مُفْرَدَتَها) شحنات شعورية جمّة، تناثرت في صفحات مخطوطه الشعريّ وتداولتها الألسن في صدور المجالس، و(بوشر) من القرى التي ما زالت تعجّ بالعديد من الشواهد التاريخية، والآثار العمرانية.

ولم تكن ذاكرة (بوشر) خُلوًا من المعالم الحضاريّة، بل كانت تعجّ بالعديد من الأماكن الأثرية وما زالت، وكانت ملاعب الصبا الشاعر صالح بن عيسى الطائي فتقلّب بين أعمدة (مسجد النجار)، وهو من آثار القرن الثالث عشر الهجري، وكلما أنهكه التعب بَرَّدَ حرارة جسده (أيام القيظ) المُحرقة بالسباحة في (فلج بو سمان)، وكم تنسّم عبق التاريخ العمانيّ الزاهر في حوائط (حارة العوراء)، وتصعَّد ببصره متأملا في (برج ورولة)، واستمسك بجذوره المتأصلة في أرض عُمان الطيبة فانطبعت روحه بالتقاليد العُمانية الأصيلة المنبعث أثيرها طوافا بين البيوت والحارات من (سبلة فلج الشام)، ولطالما استبصر المجد المخبأ في حصن و(قلعة الفتح)، وكثيرا ما استنطق التاريخ الصامت في (بيت السيدة ثريا)، واستقرأ النفوس وحفظ سمات الشخصية العمانية في وجوه مرتادي (سوق بوشر القديم)، وكثيرا ما استظل من لهيب الشمس هو ورفاقه الصغار من بني الحسني (محمد بن حامد الحسني -وكان أحد مالكي السيارات الثلاث في عهد السلطان سعيد بن تيمور والتي كان ينقل فيها الركّاب من بوشر إلى مطرح، ويذهب بها إلى رحلات للحج والعمرة- وحميد بن ساعد الحسني، وصديق آخر يُلقّب بالأمير) ما بين الضحى والظهيرة تحت (سور السيد برغش) وفي هذا يقول: [ذكرتني عهد الطفولة (بوشرا)/ أيامه مرت كأحلام الكرى- وبحي (سيبا) كان مرتع أنسهم/ نالت بهم شرفا وعزا أوفرا]. وفي قصيدة أخرى بدأها الشاعر صالح بن عيسى الطائي بمقدمة طللية واقفًا على (بوشر) مستذكرا أيام الصِّبا وذكرى الأحبة. يقول فيها:[أبرق لاح من صوب القصوف/غروبا فاستطال به وقوفي- فذاكرني الأحبة من قديم/وأرباب المكارم والضيوف - و(بوشر) مرتع الآبا بعصر/فلست ترى شرورا أو كخوف- وفي عصر ابن تيمور سعيد/ تصان عن المفاسد والدفوف].

 

..........

المراجع والمصادر:

خلافًا لما تمّ ذكره من مصادر ومراجع ومقابلات في متن هذه الدراسة المقالية، نورد هنا بعض المصادر:

(1) عشائر الشام، أحمد وصفي زكريا، وهو الكتاب الأهم والمرجع الأساسي والأدق لدراسة جغرافية وسكان وعادات البدو في بادية الشام، وقد صدر الجزء الأول منه عام 1945عن دار الفكر في دمشق، ثم صدرت الطبعة الثانية في جزأين عام 1983م.

(2) مروج الذهب، المسعودي، ج 1 ص 71.

(3) مبروك نافع: عصر ما قبل الإسلام ص 41، علي إبراهيم حسن: التأريخ الاسلامي العام ص 25.

(4) يعني عمرو بن الصلت وإخوته بني خطامة، وقد رُويَ خبر إسلامه في (الاستيعاب) و(عيون الأثر في المغازي والسير) و(الإصابة) و(أسد الغابة)، و(عيون الأثر في المغازي والسير).

(5) وثيقة بخط الشيخ المؤرخ سيف بن حمود البطاشي يؤرخ فيها لسيرة الشيخين صالح بن عامر ومحمد بن عامر الطيوانيّ ونشأتهم في قرية (إحدى).

(6) إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان، المؤلف: سالم بن حمود السيابي الإباضي، وشاركه التأليف: إبراهيم بن سعيد العَبرِي.

(7) مقابلة مع الباحث في الأنساب (يوسف أمبوعلي) بجريدة الرؤية في شهر سبتمبر 2022 بحضور أحمد بن عبدالله الكندي والشاعر سماء عيسى، والمكرم حاتم الطائيّ، ثم أعقبها اتصال هاتفي في شهر أكتوبر.

(8) مقابلة مع الباحث سند المحرزيّ 2023 داخل سيارته أثناء توجّهنا إلى ولاية بركاء لزيارة الشيخ سالم بن محمد العبري، وبحضرة الشاعر عبد الرزاق الربيعي.

الأكثر قراءة

z