الأمم لا تنتصر بالتاريخ

 

 

 

ماجد المرهون

majidomarmajid@outlook.com

 

 

التاريخُ هو سلسلة النسبِ الحضاري للأُمم وعمودها الروحي وركيزته ومرجعها السياسي الذي تتمايز به في المحافل وتُفاخر، ولا مراء أن التاريخ هو السجِّل العاصم لبعض الشعوب من تيه المُحدثات والمُدخلات والتسييس الثقافي والتنميط الفكري لأنه يرفدها بالمرجعيةِ القِيميِّة التي تُفسر بها وجودها، إلا أن الانكفاء على أمجاد الماضي وتقليب مطويات صفحاته وإن كانت مُشرقة مع كُل حدث لا يكفي لردع عاديات الزمان ومُباغتة مُغيرات الأحداث وشرر مُوريات الافتتان، ومن يركن إلى ذلك إنما يوقع نفسهُ في فخٍ حضاريٍ قاتل لا فكاك منه، فالدول لا تُحارب بتاريخها والتاريخ بجلال قدرهِ لا يهزم الأعداء، وإنما تنتصر الأمم العظيمة بما تملِكه من مناعة حاضرها المبني على ماضيها وعلى ما أعدتهُ لغدها من عدة وعتاد.

لعلَ فهم العلاقة بين المرجعيةِ التاريخية والفعالية الواقعية التي لا تعمل بالمعاجز وخوارق العادات يستلزم فيصلًا حاسمًا بين طبيعة الذاكرة الفخورة وميادين الصراعات الحاضرة، فإذا كانت الذاكرة موئل الإلهام وشحذ النصال المعنوية فإن الميدان يخضع لسننٍ مادية ملموسة وهي لا تُجامل أحدًا، فالسيف الصدئ في يد الحفيد البطل لا يقطع دابر العدو لمجرد أن جده كان فارسًا مغوارًا وحتى السيف بات أيقونة للذكرى ومضرباً للأمثال واستعارة للصور الشاعرية ومُقتنى للزينة في معايير اليوم، حيث معيار التقنية الحديثة والتفوق المعلوماتي وعمق الإعداد هو الذي يحكُم الموازين.

نتفق أن التاريخ يعتبر خزانًا جيدًا ومحفِّزًا للحميِّة وصخرةً صلبة تتكسر عليها أمواج التغييرات الثقافية، لكن الخطر يكمن في تحول ذلك التاريخ من دافع البناء عليه إلى مخدرٍ عن العمل ومادةٍ للاستهلاك العاطفي لتقع الأمَّة مأسورةً في مكامن النرجسية التاريخية، وتعيش معظم وقتها في ماضيها أكثر من حاضرها وتتغنى في الافتخار بالعمق التاريخي وما فعله الأجداد الراحلون دون أن تضع حاضرها في عين اعتبارها وما ستتركهُ للأبناء وتؤصله للأحفاد اللاحقين، فتصبح رهينة العجز والاستهلاك وازدراء الناجحين واستصغار المُتقدمين.

يعتمد منطق الصراع الأممي على واقعية القوة، والقوة في مفهومها العصري ليست جيوشًا جرارة أولها عند عرش ملك الروم وآخرها عند امير المؤمنين، بل هي منظومة مُتكاملة تبدأ من قوة الاقتصاد مرورًا بالتفوق المعرفي والبحث العلمي، حتى اذا تجسدت اخيرًا في العدةِ والعتاد حصص حق الإعداد الذي دعت له الشرائع وفرضته التجارب ودعمته الوقائع بضرورة الشمولية في الصناعات المُتقدمة وتوطين المعرفة وهو ما يُحصن الجبهة الداخلية ويقويها، وسيجد التاريخ هنا لنفسه المكان المُناسب والظروف الملائمة ليقوم بعمله الحقيقي في تعضيد ذلك الإعداد ومؤازرته.

عندما تَحيد الدول عن ركب التطور المادي وتستند بمعظم ثقلها على كِفاية عراقتها التاريخية باعتقاد أنه سيحميها فإنما هي تكتب بالخط العريض شهادة نهايتها بيدها، فكم من حضارةٍ ضربت بجذورها في أعماق الزمن وملكت من التاريخ ما يُبهر العقول تهاوت كبيت العنكبوت نظير قوةٍ غاشمة طارئة لا تملك شيئًا من العراقة الحضارية ولا حتى التاريخ المُشرِّف، فمِشعل الحضارة لا يبقى في يدِ من بدأ السباق وحسب بقدر ما يبقى في يد من يملُك النفس الأطول والقدرة على التحمُّل ولياقات المواصلة وأدوات الاستمرار.

التاريخ هو المُرشد بيد المُحارب وليس المُحارب وهو البوصلة التي تُحدد الاتجاه، والأعداء لا يهابون أضرحة العظماء وجثامين الفرسان الراقدة في المقابر، بل يهابون متارس الفلاح ومصانع السلاح المشحوذة بالعِلم وعقول المُخططين التي لا تُهمل صغيرة أو كبيرة وعيونهم التي لا تغفل عن كل شاردة أو واردة، والصياغة الحقيقية للتجسيد التاريخي تتطلب جدليةٍ حيَّة بين الأصالة المرجعية واستثمار الأدوات والمنافع المُعاصرة حتى تتمكن من العودة إلى التاريخ المُشرق وتستلهم منه كبرياء الأمة وروحها.

إن النصر حليف كل من فهم ضرورات العصر، وامتلك زِمام واقعهِ وسخَّر أدواته واعد لأعدائهِ ما استطاع من قوة التكنولوجيا ورباط خيل العلم والمعرفة، ونفض عن كاهلهِ غُبار التواكل واعتصم باعتماده على نفسه وصنع تاريخيه الحديث الذي سيضاف وبلا شك إلى تاريخ أسلافه، ولتفخر الأمم بتاريخها في كُتبها القديمة والجديدةِ كما تشاء فذلك حقَّها وشأنها، لكن صفحات الماضي البيضاء لا يُمكنها حماية صفحات الحاضر السوداء، ومن أراد النصر والتفوق فعليه أولًا أن يهزم عجزهُ وأن يجعل من تاريخه منصة انطلاق لا خندق انغلاق، فالقوة كانت وستبقى هي اللغة الأكثر بلاغةً في كتب السيادة ومصنَّفات الريادة والأمم التي لا تنتصر بحاضرها لمُستقبلها لا تنتصر بالتاريخ.

الأكثر قراءة

z