جاسم بن عيسى القرطوبي
أيها المتربص من وراء الأفق البعيد، ومن يهمس في ظلمات الخرائط بوعيد لا يليق إلا بعاجز أو جاهل: بلغنا أن ثمّة من يتوهم في ساعات غروره أن بتفجير عُمان يزعزع صخرها، أو بتهديد سلامها يقطع نسيمها. فاسمع- إن كان للسمع عندك سبيل- تاريخ أرض لا ترتج للهزات، ولا ترتعد للأصوات.
لطالما كانت عُمان ملهمة القلوب والأقلام، بلد الجمال والتاريخ العريق. فيها شهد الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم بأخلاق أهلها، فقال في سيرته النبوية الشريفة: "لو أنَّ أهل عُمان أتيت، ما سبّوك ولا ضربوك"، دلالة على حسن الطباع، وكرم السجايا، ولين التعامل حتى مع من يُخالفهم.
وشهد لهم الخليفة الراشد أبوبكر الصديق رضي الله عنه في خطبته الخالدة: "معاشر أهل عُمان، إنكم أسلمتم طوعاً، لم يطأ رسول الله ساحتكم بخف ولا حافر، ولم ترموا بفرقة ولا تشتت شمل، فجمع الله على الخير شملكم". هكذا ولدت عُمان حُرة، لم تعرف غاشية سوء، ولم تخضع إلا لربها وسنة نبيها.
وما كاد الإسلام ينشر ضياءه حتى كان العُمانيون صقور البحر في جيوش الفتح، يقودهم عمرو بن العاص، فيشقون الأمواج كما تشق السيوف الرقاب، بخبرتهم البحرية الفذة وفاعليتهم التي لا تجارى. كانوا مفاتيح للفتوح في فارس والهند وشرق إفريقيا، فليعلم من يتوهم أن عُمان لا تعرف القتال أن نسيجها الأول كان ممزوجاً برائحة الملح والدماء في سبيل العقيدة والوطن.
ومرَّ الزمن، فجاء البرتغاليون يزحفون على ظهور قواربهم، يظنون أن البحر لهم وحدهم. فكان الرد "قيد الأرض" الذي شدَّ أرجُل سفنهم بقُيود من حديد العزم وصخر الجبال. وتعلم الغزاة درساً لن ينسوه: أن عُمان التي تهدي السلام للعالم لا تبيع سيفها، وأن درعها إذا تم ارتداؤه لا ينفذ منه وعيد ولا رصاص.
وهذا هو الإمام سيف بن سلطان اليعربي يخاطب في كل جبار مستكبر، ويترك للتاريخ كلمات نارية تنير الطريق لكل من يظن أن عُمان فريسة هيّنة:
"خُيولُنا بَرِّيَّةٌ وبَحريَّةٌ، وهِمَمُنا سامِيةٌ عَلِيَّةٌ، إنْ قَتَلْتُموُنا فَنِعْمَ البِضَاعة، وإنْ قَتَلْتُموُنا بَينَنا والجَنَّةَ ساعَةٌ، وقَولُكُم قُلوبُكُم كالجِبالِ وعَدَدُكُم كالرِّمالِ، فالَجَّازُ لا يُبالي بِكَثرَةِ الغَنَمِ، إنْ عِشْنا عِشْنا سُعَداءَ، وإنْ مُتْنا مُتْنا شُهَداءَ".
بل إن عُمان – وهي التي وصفت بأنها "أرض التسامح والكرم" على لسان الطبيب الرحالة الأمريكي بول هاريسون – هي ذاتها الحمامة البيضاء التي لا تؤذي ذباباً، ولكنها إذا استُفزّت تحولت إلى صقر يخطف الأبصار قبل الأرواح. هي "حمامة السلام" التي تحضن الجراح ولا تجرح، ولكنها لا ترضى أن يدنس عشها أو يمس بيضها بسوء.
ومن كلام السلطان قابوس بن سعيد – طيب الله ثراه – الذي قال بلسان كل عُماني صادق: "وَإذَا جَاءَ اليَوْمُ – لا سَمَحَ اللهُ – الَّذِي يَتطَلَّبُ مِنَّا أنْ نَهِبَّ لِلدِّفَاعِ عَن بَلَدِنَا وَمَبَادِئِنَا الَّتِي بِهَا نَعِيشُ، فَلْيَعلَمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَدْ يُفَكِّرُونَ أَوْ يُحَاوِلُونَ الاِعْتِدَاءَ عَلَيْنَا؛ أَنَّنَا سَنُوَاجِهُهُم بِكُلِّ عَزْمٍ وَبَسَالَةٍ، وَكَأُمَّةٍ وَاحِدَةٍ مُدَجَّجَةٍ بِالسِّلاحِ".
وأخيرًا، يبقى وفي محراب شعرها الذي سطرته اعتزاز بوطني، وفيه كل الرد على كل متوهم يظن أن عُمان ترتعد:
قُلْ لِلرِّياحِ العابِثاتِ تَمَنَّعي
في بابِنا لا شَكَّ أنَّكِ تُصْرَعينْ
شَعْبٌ يُحِبُّ مَليكَه وبلادَه
نَحنُ الضَّراغِمُ خَلْفَ لَيْثٍ أَلْمَعي
قُلْ لِلجَهولِ احذَرْ بَنِيَّ عُماننا
فَنِساؤُنا كَرِجالِنا والرُّضَّعِ
إلَّا المَبادِئَ لا نُسامُ مَسَّها
والرُّوحُ تَرخُصُ إنْ أشارَ بِأُصْبُعِ
فلينصرف من يُهدد، وليحفظ وعيده لنفسه. أما نحن أهل عُمان، ففي دمنا التاريخ، وفي قلوبنا السلام، وفي أيدينا السيف إن امتدت إلينا أياد سوداء. وإن أُغمضت العيون عن حقيقة هذه الأرض، فإنَّ السنوات القادمة ستذكر كل معتد بأن عُمان لا تفجر بالكلام، ولا تهزم بوهم، بل تقيد الأقدام التي تطأ حرمتها، وتغرق السفن التي تبحر نحوها بسوء النيات.
سلام لمن سلم، ونار لمن اعتدى.
