السلام الداخلي للفرد لا يقدر بثمن

 

 

د. محمود البلوشي

يعد السلام الداخلي من أهم الركائز التي يحتاجها الإنسان ليعيش حياة متوازنة سعيدة. فالسلام الداخلي ليس مجرد غياب المشاكل والضغوط النفسية والممارسات المجتمعية، بل هو حالة من الرضا والطمأنينة والانسجام بين العقل والجسد والروح، مهما كانت التحديات والظروف. السلام الداخلي شعور عميق بالهدوء والاستقرار النفسي ينبع من داخل الإنسان، إنه القدرة على تقبل الذات كما هي، والتعامل مع الصعوبات والعوائق والمنغصات بثبات وحكمة، وبدون انفعال أو قلق مفرط. وهذا بطبيعته ينعكس إيجابًا على صحة الأعضاء، وخاصة القلب والجهاز الهضمي والمناعة، حيث إن الشخص الذي يعيش بسلام داخلي يكون أكثر قدرة على التركيز والإبداع واتخاذ القرارات السليمة، حيث إن الهدوء الداخلي ينعكس على طريقة التعامل مع الآخرين، مما يبني علاقات سليمة مستقرة، وبالتالي يشعر الإنسان بالرضا والسعادة الحقيقية حتى في أبسط الأمور.

لا بد للفرد أن يبدأ التصالح مع نفسه، وأن يتقبل عيوب وأخطاء الآخرين. كما أن ممارسة التأمل واليقظة الذهنية، من خلال تخصيص وقتٍ يوميًا للتأمل أو التنفس العميق، تساعد على تهدئة العقل وتنقية الأفكار. لذلك نجد أن غالبية الشعب الهندي يتمتع بالهدوء والاستقرار بسبب ممارسة اليوغا كل صباح، فهي رياضة صباحية مهمة لديهم.

ولابد للفرد أن يعيش الحاضر، ولا يقلق من المستقبل أو يندم على الماضي، بل إن كل ما عليك أن تركز عليه هو ما تفعله الآن، لا فيما مضى. أيضًا لابد من أن تكون إيجابيًا في حياتك، تنظر إلى الجانب المشرق من الأمور، وتستبدل الأفكار السلبية بالأفكار البناءة، وعليك بممارسة الرياضة، فالنشاط البدني لا يحافظ فقط على الصحة الجسدية، بل يعزز هرمونات السعادة التي تعزز السلام الداخلي.

ناهيك عن الجانب الإيماني والروحاني، حيث إن الصلاة وقراءة الكتب الروحانية تعطيك سلامًا داخليًا مع نفسك.

ولنتحدث عن أنواع السلام الروحاني والسلام مع النفس، فمنها: السلام النفسي، فهو الهدوء الداخلي الذي يخفف من القلق والتوتر، ويجعل الإنسان قادرًا على التعامل مع ضغوط الحياة بهدوء واتزان.

والسلام الروحي، الذي يتعلق بالإيمان والروحانية، حيث يشعر الإنسان بالقرب من الله، مما يمنحه طمأنينة وثقة في أن كل شيء يحدث بحكمة ربانية.

أما السلام العقلي، فيتجلى في وضوح الأفكار والتخلص من الصراعات الذهنية، واتخاذ القرارات العقلانية بعيدًا عن التشتت.

وهناك السلام الجسدي، وهو الشعور بالراحة الناتج عن الاهتمام بالصحة، والنوم الجيد، والتغذية السليمة، وهذا كله ينعكس بدوره على صفاء الذهن والروح.

أما السلام الاجتماعي، فهو يتحقق من خلال العلاقات مع الآخرين، المبنية على الاحترام والتسامح والحب، والبعيدة عن النزاعات والمشاحنات.

فإذا ما تمكن الإنسان من إيجاد التوازن والوسطية في كل ما ذكر، فتأكد أنه سيعيش عيشة هنيئة مريحة ومستقرة. فعلى سبيل المثال، كيف يستطيع الإنسان أن يبدأ يومه بدون أن يكون هناك نومٌ جيد، وأداء صلاة الفجر، والإفطار الجيد، وممارسة الرياضة؟ نرى أن هذه مجموعة ممارسات يومية يقوم بها الفرد قبل التوجه إلى عمله، فبمجرد أن يغفل عنها يومًا أو يتناساها لأسباب، فإن يومه سيكون غير سعيد وغير مرتاح بسبب الخلل الذي أصاب المنظومة. فالله سبحانه وتعالى خلقنا للعمل والعبادة والاستقرار، فهذه الأمور لا تأتي إلا بأن يكون الفرد متصالحًا مع نفسه ومع من حوله.

في بعض الأحيان تجد أن الإنسان يعيش حياة هادئة مستقرة مع نفسه ومع أسرته، بعيدة عن الصخب المجتمعي وما يدور فيه من علاقات سامة وحسد وحقد ونميمة وبغضاء ومشاحنات، فلا يستطيع التعايش مع تلك الفئات من البشر. فالحل الأنسب في مثل هذه الحالات المتفشية في المجتمعات هو فن التجاهل، أو مجموعة من المفاهيم المرتبطة بفن اللامبالاة والتجاهل الاستراتيجي لتحقيق السلام الداخلي، ويرتكز على جعله أداةً لحماية الطاقة النفسية وبناء قوة الشخصية، والبعد عن الأفكار السلبية السامة. فالتجاهل ليس ضعفًا أو هروبًا، بل هو قرارٌ واعٍ بعدم إهدار الطاقة على ما لا يتفق وينسجم مع أهدافك وخططك.

فتعلم كيف تميز بين ما يستحق الاهتمام وما يجب تركه وعدم الالتفات إليه، وتعلم قوة الصمت والرد المؤجل، لأن الصمت في وجه الاستفزاز يربك الخصوم ويمنحك السيطرة، لأن الرد على كل شيء يعد دليلًا على ضعف التركيز.

وأختم مقالي بقصة جميلة عن المتنبي، حين قيل له إن فلانًا يهجوك، فأجاب: هذا صعلوك يريد أن أرد عليه فيدخل التاريخ. ثم قال:

وتأبى النفس أن تهجو لئيمًا

فبعض الناس يرفعها الهجاء

أيضًا ما قاله سيدنا علي بن أبي طالب: (إن التغافل نصف العافية).

عش يومك، وعش حياتك في إطار محدود، ولا تحمل عقلك فوق طاقته، ولا تعش على إرضاء الناس ولا مراقبتهم، لأنها همٌّ وسقم.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z