سلمى بنت سيف البطاشي
كان تقريظ الكتب أحد الأساليب التي عبّر بها العلماء والأدباء عن تقديرهم للمصنفات التي رأوا فيها علمًا وفائدة؛ فلم يكن التقريظ مجرد كلمات ثناء، بل شهادة علمية تعكس مكانة الكتاب عند قارئه، ومن هذا الباب تندرج الأبيات التي نظمها الشيخ القاضي الفقيه خالد بن مهنا البطاشي في بياض نسخة كتاب "سبل السلام وبلوغ المرام من أدلة الأحكام"؛ إذ جاءت في صورة تقريظ شعري كشف عن نظرته إلى هذا المصنف، وما لمسه فيه من قيمة علمية.
وكتاب "سبل السلام" من تأليف محمد بن إسماعيل الصنعاني (ت: 1182هـ/1768م)، وهو شرحٌ لكتاب "بلوغ المرام من أدلة الأحكام" للإمام ابن حجر العسقلاني (ت: 852هـ/1449م)، وقد أورد فيه هذا أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم-، وجمع فيه أدلة الأحكام الشرعية، وناقش العبادات والمعاملات، معتمدًا على استنباط الأحكام من الأحاديث النبوية، وبيان صحتها وضعفها، مع مقارنة المذاهب الفقهية.
وقبل الوقوف على نص هذه الأبيات، تجدر الإشارة إلى أن الورقة التي حفظتها تحمل ملامح القِدم بوضوح؛ فقد مالت إلى اللون البني، وتعرضت أطرافها لبعض التآكل والتقطع، غير أن الخط ظل واضحًا ومقروءًا على الرغم من مرور السنين، بل بقي واضحًا ومستقرًا بين ثناياها، محافظًا على الأبيات التي دوّنها الشيخ خالد -رحمه الله-، لتغدو الورقة بما عليها شاهدًا ماديًّا علميًّا وأدبيًّا على هذا التقريظ الذي كُتب قبل أكثر من ستة عقود.
ولعل هذه النسخة كانت ضمن مقتنيات سيدي الوالد الشيخ القاضي المؤرخ سيف بن حمود البطاشي -رحمه الله-، إذ وجدتها بين مواد مكتبته، وهو ما يرجح صلتها بمجموعته الخاصة من الكتب، إذا ما أخذنا عادة الشيخ خالد في التدوين ببياض الكتب الموجودة في مكتبته، فقد وقفت على عدد من التقييدات التي خطها بيده في كتبه -رحمهما الله-.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم أبيات الشيخ خالد في تقريظه لهذا الكتاب، فهي تمثل استجابة قارئ عالم لكتاب رآه جديرًا بالإشادة، فخلّد انطباعه عنه في أبيات شعرية بقيت شاهدة على إعجابه بهذا المصنف ومكانته عنده، وتكشف الأبيات عن جانب من هذا التقدير الذي أبداه الشيخ للكتاب، حيث صاغ إعجابه به في قالب شعري يجمع بين الثناء والتعريف بقيمته، وهي:
[هذا كتاب سبل السلام/ يهدي الورى لسبل السلام -به أضاءت شرعة الإسلام/ بما روي عن سيدنا الأنام/ محمد المبعوث بالإكرام/ عليه أفضل السلام- وآله وصحبه الكرام/ والتابعين القادة الأعلام- نرجو من الموفق العلام/ حفظ معانيه على التمام- نورًا يجلي أفق الأفهام/ حتى تضيء بالسنا البسام- فالله ربي واهب الأنعام/ لموفق سبل السلام] (ناظمه خالد بيده، 16 ج2 سنة 1381هـ [24 نوفمبر 1961م]).
ونستنبط من هذه الأبيات أن الشيخ خالد البطاشي -رحمه الله- لم ينظر إلى الكتاب على أنه مجرد كتاب يضم مسائل علمية، بل رآه مصنفًا يؤدي رسالة علمية ودينية، ولذلك استهل تقريظه بقوله: هذا كتاب "سبل السلام"، مستثمرًا عنوان الكتاب؛ ليؤكد أن الهداية التي يحملها ليست مقصورة على اسمه، وإنما تمتد إلى مضمونه وما اشتمل عليه من علم نافع. ثم ينتقل في أبياته إلى بيان سبب هذا التقدير، فيربط الكتاب بالشريعة الإسلامية، وبما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، في إشارة إلى أن قيمة الكتاب مستمدة من عنايته بالسنة النبوية، وشرحه لأحاديثها وأحكامها. ويكشف هذا المعنى أن إعجاب الشيخ لم يكن إعجابًا بأسلوب المؤلف أو شهرته فحسب، وإنما بما وجده في الكتاب من خدمة للعلم الشرعي، وهو ما يتفق مع طبيعة التقاريظ التي يكتبها العلماء للمصنفات التي يرون فيها نفعًا للأمة.
ومن ضمن كلماته كذلك الصلاة والسلام على النبي -صلى الله عليه وسلم-، ثم على آله وصحبه أجمعين، وهو انتقال ينسجم مع موضوع الكتاب، ويعكس ارتباط علوم الحديث بتعظيم مصدرها الأول، فلا يأتي الثناء على المصنف منفصلًا عن الثناء على صاحب الرسالة، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي قامت السنة على هديه وأقواله وأفعاله. وفي خاتمة أبياته، أراد الشيخ القاضي خالد بن مهنا البطاشي أن يجعلها نورًا يبدد ظلمات الجهل، ويضيء آفاق الفهم لدى طلبة العلم، ولخصت كلماته المنظومة مكانة الكتاب في نفسه، وعكست جانبًا من تقاليد العلماء في التعبير عن إعجابهم بالمصنفات التي تركت أثرًا في تحصيلهم العلمي، وهو ما يضفي على هذه الأبيات قيمة توثيقية إلى جانب قيمتها الأدبية.
وبعد أكثر من ستة عقود على نظم هذه الأبيات، بقيت شاهدة على تقدير الشيخ خالد -رحمه الله- لهذا الكتاب، وإذا كانت الأيام قد فرقت بين الكتاب وما كُتب في بياضه، فإن هذه الأبيات التي دوّنها عام 1381هـ، الموافق 1961م، لا تزال تحتفظ بدلالتها، وناقلةً إلينا صور تفاعل العلماء مع الكتب التي استوقفتهم. وهكذا لم يبق من تلك اللحظة العلمية سوى هذا التقريظ الشعري، لكنه كان كافيًا ليحفظ لنا أثرًا من آثار هذا الشيخ، وشهادة صادقة على المكانة التي حظي بها هذا المصنف في نفسه.
