القانون بين سلطة التنظيم ومرونة التسهيل: قراءة في فلسفة المُشرِّع العُماني

 

 

 

 

د. بدر المسكري **

bader808@squ.edu.om

يُعدّ التساؤل المتعلق بالطبيعة الوظيفية للقانون من أكثر الإشكاليات حضورًا في الفكر القانوني المعاصر؛ إذ لم يعد القانون يُنظر إليه باعتباره مجرد مجموعة من القواعد الآمرة التي تُفرض لضبط السلوك الاجتماعي، وإنما بات يُطرح بوصفه أداةً ديناميكية تتداخل فيها اعتبارات التنظيم والحماية مع متطلبات التنمية والتمكين الاقتصادي. ومن هنا يثور التساؤل الجوهري حول ما إذا كان القانون يُراد له أن يكون قانونًا منظمًا يفرض القيود والرقابة حفاظًا على النظام العام، أم قانونًا مُيسّرًا يهدف إلى تهيئة البيئة القانونية الملائمة للنشاط الاقتصادي والاستثماري.

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية خاصة في السياق العُماني، في ظل التحولات التشريعية المتسارعة التي تشهدها سلطنة عُمان تزامنًا مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، والتي دفعت بالمُشرِّع العُماني إلى إعادة صياغة فلسفته التشريعية بصورة تعكس انتقالًا تدريجيًا من منطق الرقابة التقليدية إلى منطق التمكين المؤسسي والمرونة التشريعية، دون التَّخلي عن مقتضيات الحماية القانونية وضمان استقرار المعاملات.

أولًا: فلسفة التنظيم ودور القانون في حماية المصلحة العامة

يقوم الاتجاه التقليدي في النظرية القانونية على أنَّ الوظيفة الجوهرية للقانون تتمثل في ضبط العلاقات الاجتماعية ومنع تعارض المصالح واختلال موازين القوة داخل المجتمع. ووفق هذا التصور، فإنَّ التنظيم التشريعي لا يُعدّ مجرد خيار سياسي، بل ضرورة قانونية لضمان استقرار المُعاملات وحماية الفئات الأضعف وتحقيق مقتضيات العدالة.

ويتجلى هذا الاتجاه بوضوح في عدد من التشريعات العُمانية ذات الطابع الحمائي، وفي مقدمتها قانون حماية المستهلك، وقانون حماية المنافسة ومنع الاحتكار، إضافة إلى التشريعات المرتبطة بحماية النظام العام الاقتصادي والاجتماعي. فالمُشرِّع يتدخل هنا عبر قواعد آمرة تهدف إلى ضبط السوق ومنع الممارسات الضارة بالمصلحة العامة، بما يحقق التوازن بين حرية النشاط الاقتصادي ومتطلبات العدالة الاجتماعية.

فالقانون في هذا الإطار يؤدي وظيفة تنظيمية تقوم على فرض الالتزامات والقيود والجزاءات، ليس بقصد التضييق على الأفراد أو الحد من حرية التَّعامل، وإنما لضمان عدم تحول الحرية الاقتصادية إلى وسيلة للإضرار بالمجتمع أو الإخلال بالتوازن التعاقدي والاقتصادي. ومن ثم، فإن التنظيم القانوني في المنظومة العُمانية لا يمثل غاية مستقلة بحد ذاته، بل يُعد وسيلة لتحقيق الاستقرار وحماية الثقة العامة في المعاملات.

ويذهب جانب معتبر من الفقه القانوني إلى أنَّ غياب التنظيم الفعّال يقود بالضرورة إلى اضطراب العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، إذ إن الأسواق لا تستطيع الاستمرار بكفاءة في ظل فراغ تشريعي يسمح بتغول القوة الاقتصادية أو إساءة استعمال الحقوق. لذلك، يظل التنظيم أحد المرتكزات الجوهرية التي تقوم عليها فكرة الدولة القانونية الحديثة.

ثانيًا: فلسفة التسهيل وتحول القانون إلى أداة للتنمية

في مقابل التصور التقليدي للقانون بوصفه أداةً للضبط والرقابة، برز اتجاه حديث ينظر إلى القانون باعتباره أداةً للتيسير والتحفيز الاقتصادي، بحيث لا يقتصر دوره على المنع والجزاء، وإنما يمتد إلى خلق بيئة قانونية مستقرة ومرنة قادرة على جذب الاستثمار وتحفيز النشاط الاقتصادي.

وقد تبنى المُشرِّع العُماني هذا الاتجاه بصورة واضحة خلال السنوات الأخيرة، من خلال مجموعة من التشريعات التي عكست تحولًا نوعيًا في فلسفة التدخل التشريعي، ومن أبرزها قانون استثمار رأس المال الأجنبي وقانون الإفلاس وقانون التحكيم.

ففي مجال الاستثمار، اتجه المُشرِّع إلى تقليص القيود الإجرائية وتوسيع نطاق الضمانات المقررة للمستثمرين، بما يحقق قدرًا أعلى من اليقين القانوني، وهو عنصر جوهري في البيئة الاستثمارية المعاصرة. ولم يعد القانون هنا مجرد وسيلة للرقابة على النشاط الاقتصادي، بل أصبح إطارًا قانونيًا يهدف إلى تمكينه وتعزيز قدرته على النمو والاستدامة.

ويبدو هذا التحول أكثر وضوحًا في قانون الإفلاس الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (53/2019)، والذي تجاوز الفلسفة التقليدية القائمة على تصفية المشروعات المتعثرة، إلى فلسفة أكثر مرونة ترتكز على إعادة الهيكلة والصلح الواقي من الإفلاس. فالمُشرِّع لم يعد ينظر إلى التعثر المالي باعتباره نهاية حتمية للنشاط الاقتصادي، وإنما باعتباره أزمة قابلة للمعالجة من خلال أدوات قانونية تهدف إلى الحفاظ على الكيان الاقتصادي واستمرارية النشاط.

كما يبرز الاتجاه التيسيري في قانون التحكيم، الذي صُمم لتوفير آلية أكثر سرعة ومرونة في تسوية المنازعات التجارية، بما يحقق متطلبات البيئة الاستثمارية الحديثة القائمة على السرعة والكفاءة وقابلية التنبؤ بالإجراءات القانونية. فالقانون في هذا الإطار يؤدي وظيفة اقتصادية مباشرة تتمثل في تعزيز الثقة بالمنظومة القانونية وتقليل المخاطر المرتبطة بالتقاضي التقليدي.

ثالثًا: التوازن التشريعي في التجربة العُمانية

لا تكمن الإشكالية الحقيقية في المفاضلة بين التنظيم والتسهيل، وإنما في القدرة على تحقيق التوازن بينهما. فالإفراط في التنظيم قد يؤدي إلى تضخم الإجراءات والبيروقراطية التشريعية بما يعيق الابتكار ويحد من جاذبية البيئة الاستثمارية، في حين أن الإفراط في التسهيل قد يفتح المجال لاستغلال الثغرات القانونية والإضرار بحقوق الأطراف الأضعف.

ومن هنا، يبدو أن المُشرِّع العُماني يتجه نحو بناء نموذج تشريعي يقوم على ما يمكن تسميته بـالتنظيم المرن، وهو نموذج لا يتخلى عن الدور الحمائي للقانون، لكنه في الوقت ذاته يسعى إلى تقليل التعقيدات الإجرائية وتعزيز الكفاءة التشريعية.

وتتجسد هذه الرؤية بصورة واضحة في رؤية عُمان 2040، التي جعلت من تطوير البيئة التشريعية والحوكمة المؤسسية أحد المرتكزات الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. فالمطلوب لم يعد مجرد إصدار قوانين أكثر صرامة، وإنما بناء منظومة قانونية قادرة على تحقيق التوازن بين الحماية والمرونة، وبين الرقابة والتمكين.

رابعًا: حوكمة الشركات بوصفها نموذجًا للتكامل بين التنظيم والتسهيل

تمثل حوكمة الشركات في سلطنة عُمان النموذج الأوضح للتكامل بين الفلسفتين التنظيمية والتيسيرية؛ فهي من جهة تفرض قواعد قانونية دقيقة تتعلق بالإفصاح والرقابة والمسؤولية، ومن جهة أخرى تُعد وسيلة لتعزيز الثقة في الشركات وتشجيع الاستثمار وضمان استدامة الكيانات الاقتصادية.

فالحوكمة الحديثة لم تعد تُفهم باعتبارها عبئًا تنظيميًا يفرض قيودًا على الإدارة، بل أصبحت تُنظر إليها باعتبارها قيمة اقتصادية ومؤسسية ترفع من كفاءة الشركات وتعزز تنافسيتها. ومن ثم، فإن القرار الوزاري رقم (5/2025) بشأن مبادئ حوكمة الشركات التجارية المساهمة المقفلة يعكس بوضوح هذا التحول؛ إذ يجسد اتجاهًا تشريعيًا يسعى إلى المواءمة بين مقتضيات الرقابة القانونية ومتطلبات المرونة الاستثمارية، من خلال بناء إطار حوكمي يعزز الشفافية دون أن يُفرط في التعقيد التنظيمي.

خاتمة

إن الجدل حول ما إذا كان القانون أداةً للتنظيم أم وسيلةً للتسهيل لم يعد جدلًا نظريًا مجردًا، بل أصبح مرتبطًا بقدرة التشريعات على تحقيق التوازن بين حماية الحقوق وتحفيز التنمية. وفي هذا الإطار، يبدو أنَّ المُشرِّع العُماني يتَّجه نحو تبني فلسفة تشريعية أكثر مرونة وواقعية، تقوم على إعادة تعريف وظيفة القانون بوصفه أداةً لتحقيق الكفاءة الاقتصادية والاستقرار المؤسسي مع الحفاظ على مقتضيات العدالة وسيادة القانون.

ومن ثم، فإنَّ مستقبل التشريع في سلطنة عُمان لا يكمن في التشدد التنظيمي المجرد، ولا في التحرر المطلق من القيود، وإنما في بناء قانون رشيق قادر على حماية الحقوق دون تعطيل المبادرات، وقادر على تعزيز الثقة والاستثمار دون التفريط في متطلبات الحوكمة والعدالة. وبهذا المعنى، يصبح القانون شريكًا في التنمية، لا مجرد أداة للرقابة عليها.

** كلية الحقوق- جامعة السلطان قابوس

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z