كيف قلبت الأرجنتين الطاولة على إنجلترا؟.. قراءة تكتيكية في عودة التانجو إلى المونديال

 

 

الرؤية – أحمد السلماني

لم يكن تأهل المنتخب الأرجنتيني إلى نهائي كأس العالم 2026 مجرد عودة في النتيجة من التأخر بهدف إلى الفوز بهدفين مقابل هدف، بل كان انتصارًا للتفوق الذهني والتكتيكي، وللقدرة على قراءة تفاصيل المباراة حتى لحظاتها الأخيرة.

فعلى مدار أكثر من ساعة، بدا أن إنجلترا تسير بثبات نحو النهائي الأول منذ عام 1966، قبل أن تتراجع بصورة مبالغ فيها، لتمنح الأرجنتين الكرة والمساحات والثقة. وما إن سيطر “التانجو” على مجريات اللعب حتى جاءت الضربة الأولى عبر إنزو فرنانديز، قبل أن يوجه لاوتارو مارتينيز الضربة القاضية في الوقت بدل الضائع، ليقود حامل اللقب إلى نهائي جديد أمام إسبانيا.

الشوط الأول… معركة شطرنج بلا غالب

بدأت المباراة بحذر كبير من المنتخبين، إذ احترم كل مدرب قدرات منافسه ولم يرغب في فتح المساحات مبكرًا.

الأرجنتين استحوذت على الكرة في فترات طويلة، لكنها وجدت منتخبًا إنجليزيًا منظمًا أغلق العمق، بينما اعتمد الإنجليز على التحولات السريعة بقيادة جود بيلينغهام وأنتوني جوردون، مع تحركات هاري كين خارج منطقة الجزاء لسحب المدافعين وفتح الممرات.

ولم يشهد الشوط الأول فرصًا محققة كثيرة، لأن كلا المنتخبين نجح في الحد من نقاط قوة الآخر، فبقيت المواجهة مغلقة تكتيكيًا أكثر منها مفتوحة هجوميًا.

إنجلترا تضرب… ثم تتراجع

مع بداية الشوط الثاني، نجحت إنجلترا في تنفيذ أفضل هجمة لها في المباراة.

استغل هاري كين سرعة التحول، وهيأ الكرة لمورغان روجرز، الذي مررها بدقة إلى أنتوني جوردون، ليسكنها الشباك ويمنح منتخب الأسود الثلاثة التقدم.

لكن المشكلة لم تكن في الهدف، بل فيما حدث بعده.

بدلًا من مواصلة الضغط على الأرجنتين واستغلال الحالة المعنوية المرتفعة، تراجع المنتخب الإنجليزي إلى مناطقه الدفاعية بصورة مبالغ فيها، وسمح لحامل اللقب بالاستحواذ الكامل على الكرة.

وهنا بدأت المباراة تتغير تدريجيًا.

سكالوني يربح المعركة من دكة البدلاء

أدرك ليونيل سكالوني أن إنجلترا لم تعد تضغط، وأن خطوطها أصبحت متقاربة داخل الثلث الدفاعي، فدفع بفريقه إلى الأمام، ومنح الظهيرين حرية أكبر في التقدم، مع زيادة كثافة لاعبي الوسط حول منطقة جزاء إنجلترا.

ولم تعد الأرجنتين تبحث عن المرتدات، بل فرضت حصارًا هجوميًا متواصلًا، وبدأت الكرة تتحرك بسرعة من طرف إلى آخر حتى ظهرت الثغرات في التنظيم الإنجليزي.

في المقابل، اختار توماس توخيل الدفاع عن النتيجة، وأجرى تغييرات ذات طابع دفاعي، وهو ما منح الأرجنتين مزيدًا من الثقة والسيطرة. وقد اعتبرت تحليلات صحفية أن هذا التحول المحافظ كان نقطة الانكسار في المباراة.

ميسي… العقل الذي أدار العودة

قد لا يكون ليونيل ميسي سجل هدفًا، لكنه كان اللاعب الذي غيّر المباراة.

كل هجمة أرجنتينية مرت تقريبًا عبر قدميه، وتحول إلى صانع إيقاع حقيقي، يتراجع لاستلام الكرة، ثم يرسل التمريرات التي تكسر خطوط الدفاع الإنجليزي.

ومع تراجع إنجلترا، أصبح لميسي الوقت والمساحة لاختيار الحلول المناسبة، وهو ما افتقده طوال الساعة الأولى.

ولم تكن مساهمته مجرد تمريرات جميلة، بل صنع هدفي الأرجنتين، ليؤكد مرة أخرى أن تأثيره لا يقاس بعدد الأهداف فقط، بل بقدرته على التحكم في مجريات اللقاء حتى في التاسعة والثلاثين من عمره. كما أصبح أكثر لاعب صناعة للأهداف في تاريخ كأس العالم.

إنزو فرنانديز… الهدف الذي أعاد الحياة

جاء هدف التعادل في الدقيقة 85 تتويجًا لفترة طويلة من الضغط الأرجنتيني.

استلم إنزو فرنانديز الكرة على حدود منطقة الجزاء، وأطلق تسديدة قوية لم ينجح جوردان بيكفورد في التعامل معها، لتعود المباراة إلى نقطة البداية.

لكن القيمة الحقيقية لهذا الهدف لم تكن في النتيجة فقط، بل في أثره النفسي.

فبعد التعادل، ظهر الارتباك على لاعبي إنجلترا، بينما شعر الأرجنتينيون أن المباراة أصبحت في متناولهم، فواصلوا الهجوم بدل الاكتفاء بالتمديد إلى الأشواط الإضافية.

لاوتارو… ضربة القاتل

في الوقت الذي كانت فيه إنجلترا تفكر في الأشواط الإضافية، وجهت الأرجنتين الضربة القاضية.

تحرك ميسي بذكاء، ورفع كرة متقنة داخل منطقة الجزاء، ليظهر لاوتارو مارتينيز بعيدًا عن الرقابة، ويحولها برأسه داخل الشباك في الدقيقة الثانية من الوقت المحتسب بدل الضائع، معلنًا تأهل الأرجنتين إلى النهائي.

وجسدت هذه اللقطة مشكلة إنجلترا طوال الدقائق الأخيرة؛ فقد فقد المدافعون تركيزهم، بينما نجحت الأرجنتين في استغلال أول لحظة سوء تمركز داخل منطقة الجزاء.

لماذا خسر توخيل؟

على الرغم من البداية الجيدة، فإن المدرب الألماني دفع ثمن قراره بالتراجع.

إنجلترا تخلت عن الاستحواذ، وأوقفت الضغط الأمامي، وأصبح هاري كين وبيلينغهام بعيدين عن الكرة، فلم يعد الفريق قادرًا على تهدئة المباراة أو الاحتفاظ بها.

وبدلاً من إجبار الأرجنتين على الركض خلف الكرة، أصبحت إنجلترا هي التي تركض خلفها.

وترى معظم التحليلات الفنية وخاصة للمحللين الانجليز كما جاء في الجارديان أن توخيل كرر أخطاء عانت منها إنجلترا في بطولات سابقة، عندما فضّل الدفاع عن التقدم بدل البحث عن الهدف الثاني، وهو ما منح الأرجنتين زمام المبادرة بالكامل.

الأرجنتين… خبرة البطل

أثبت حامل اللقب أن المباريات الكبرى لا تُحسم فقط بالمهارة، وإنما بالصبر والخبرة.

لم تفقد الأرجنتين هدوءها بعد التأخر، ولم تتخل عن أسلوبها، بل واصلت تدوير الكرة والبحث عن الثغرات حتى وجدتها.

كما لعبت شخصية الفريق دورًا حاسمًا، فوجود لاعبين مثل ميسي، وإنزو فرنانديز، وماك أليستر، وأوتاميندي، منح المنتخب الأرجنتيني هدوءًا كبيرًا في أكثر لحظات المباراة تعقيدًا.

الخلاصة الفنية

لم تنتصر الأرجنتين لأنها كانت أفضل طوال المباراة، بل لأنها كانت الأفضل في إدارة لحظاتها الحاسمة.

ففي الوقت الذي اختارت فيه إنجلترا حماية تقدمها، اختارت الأرجنتين البحث عن الفوز.

استحوذت، وضغطت، ورفعت نسق اللعب، واستثمرت خبرة ميسي وفعالية لاوتارو، حتى قلبت تأخرها إلى انتصار تاريخي.

كانت المباراة درسًا جديدًا في أن التراجع أمام منتخب بحجم الأرجنتين مخاطرة كبيرة، لأن حامل اللقب لا يحتاج سوى دقائق قليلة ليحوّل السيطرة إلى أهداف، والحلم إلى حقيقة.

وبهذا الانتصار، واصل التانجو رحلة الدفاع عن لقبه، وضرب موعدًا مع إسبانيا في نهائي يوصف بأنه صدام بين مدرستين؛ المدرسة الإسبانية القائمة على الاستحواذ المنظم، والمدرسة الأرجنتينية التي تجمع بين المهارة، والواقعية، وشخصية البطل.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z