عباس الزدجالي
بين حرية الملاحة الدولية وحق الدول الساحلية في تعويض كلفة حماية البيئة والسلامة البحرية، لا تملك أي دولة -بما فيها الولايات المتحدة- سُلطة منفردة للإشراف على المضائق الدولية أو فرض تفسيرها الخاص للقانون البحري الدولي بالقوة. فتنظيم الملاحة البحرية الدولية وحماية سلامة الممرات البحرية يتم عبر منظومة قانونية ومؤسسات دولية معترف بها، وفي مقدمتها اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والمنظمة البحرية الدولية (IMO) التابعة للأمم المتحدة.
ومن هذا المنطلق، فإن أي تهديدات متكررة باستخدام القوة أو فرض حصار أو اتخاذ إجراءات أحادية خارج إطار الشرعية الدولية تثير تساؤلات قانونية وسياسية خطيرة حول مدى توافقها مع مبادئ حرية الملاحة وسيادة الدول وعدم استخدام القوة المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة.
كما أن اللجوء إلى سياسة الضغوط القصوى والعقوبات والحشود العسكرية لا يمنح أي دولة صفة "الوصي" على الممرات البحرية الدولية، لأن هذه الممرات تخضع لقواعد دولية مشتركة، وليس لإرادة قوة عظمى بعينها. ولهذا تؤكد غالبية الدول دوما على ضرورة معالجة الأزمات البحرية والأمنية عبر المؤسسات الدولية والحوار الدبلوماسي واحترام القانون الدولي، بدلًا من منطق التهديد وفرض الأمر الواقع بالقوة.
وفي حالة مضيق هرمز، فإن أمن الملاحة واستقرار المنطقة يظل مسؤولية جماعية ترتبط بالدول المشاطئة والمنظمات الدولية والقانون الدولي، وليس رهنا بتصريحات سياسية متقلبة أو بسياسات التصعيد العسكري التي قد تزيد التوتر وتهدد الاقتصاد العالمي بأسره.
وتزداد حساسية هذا النقاش في ظل التصريحات والتهديدات المتسرعة التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قصف سلطنة عُمان على خلفية الجدل المتعلق بإدارة مضيق هرمز، وهي تصريحات أثارت صدمة واستياء واسعين لما تحمله من إساءة لدولة ارتبطت بعلاقات تاريخية ودية مع الولايات المتحدة تعود إلى عام ١٨٣٣، عندما كانت عُمان من أوائل الدول العربية التي أقامت علاقات رسمية مع واشنطن.
فعلى مدى عقود طويلة، لم تكن السلطنة طرفا في سياسات التصعيد أو العداء، بل لعبت دور الوسيط الهادئ والمحايد الذي سعى إلى بناء الجسور لا إشعال الأزمات. كما ساهمت مرارا في التوسط للإفراج عن مواطنين أمريكيين وغربيين ومعتقلين ورهائن في ظروف شديدة التعقيد، وقدمت جهودا إنسانية ودبلوماسية حظيت بإشادات متكررة من مسؤولين أمريكيين وغربيين على حد سواء.
ولذلك فإن توجيه التهديدات لدولة عُرفت بسياسة "أصدقاء للجميع… وأعداء لِلا أحد" Friends to All, Enemies to None لا يسيء فقط إلى تاريخ طويل من العلاقات الثنائية الإيجابية، بل يتناقض أيضا مع الدور العُماني المعروف دوليا في ترسيخ الاستقرار والحوار والسلام الإقليمي، وهو الدور الذي جعل السلطنة تحظى باحترام واسع باعتبارها وسيطا نزيها يعمل على تقريب وجهات النظر لا تأجيج الصراعات.
وفي هذا السياق، يبرز نقاش قانوني واقتصادي مشروع يتعلق بحق الدول المشاطئة للمضائق الطبيعية الدولية في استيفاء رسوم مرتبطة بالخدمات البيئية والتنظيمية والسلامة الملاحية، وليس "رسوم عبور" مباشرة تخالف مبدأ حرية المرور العابر المنصوص عليه في القانون الدولي للمضائق الطبيعية.
وسلطنة عُمان تتحمل منذ عقود أعباء بيئية وملاحية وأمنية هائلة نتيجة الكثافة الضخمة لحركة ناقلات النفط والسفن التجارية العابرة بمحاذاة مياهها الإقليمية في بحر عُمان وبحر العرب ومضيق هرمز، وما يرافق ذلك من:
• تلوث بحري مزمن.
• مخاطر التسربات النفطية.
• أضرار على الثروة السمكية والشعاب والبيئة الساحلية.
• تكاليف مراقبة الملاحة البحرية.
• إنشاء وصيانة أنظمة تنظيم المرور الملاحي.
• توفير مراكز البحث والإنقاذ البحري.
• الجاهزية الدائمة لمواجهة الحرائق والحوادث والانسكابات النفطية.
ومن هنا فإن الفكرة المطروحة لا تتعلق بفرض "إتاوات عبور" على السفن، وإنما بإمكانية إنشاء منظومة قانونية دولية شفافة تقوم على مساهمات أو رسوم خدمات فعلية مرتبطة بـ:
• حماية البيئة البحرية.
• تنظيم السلامة الملاحية.
• إدارة حركة السفن.
• أنظمة المرور Traffic Separation Schemes المعتمدة دوليا.
• خدمات الاستجابة للطوارئ والتلوث.
• خدمات القطر والإنقاذ والإطفاء البحري.
• استخدام مرافق وتجهيزات المراقبة والاتصال البحري.
• إنشاء صناديق تعويض بيئي واستدامة للمناطق الساحلية المتضررة.
وهو نموذج أقرب لما تطبقه دول وموانئ عديدة حول العالم تحت مسميات الرسوم البيئية أو رسوم السلامة والخدمات البحرية، وليس رسوما سيادية على "حق المرور" ذاته؛ إذ إن حرية الملاحة لا تعني أن تتحمل الدول الساحلية وحدها تكلفة حماية البيئة والممرات الدولية نيابة عن الاقتصاد العالمي بأسره، خصوصا عندما تكون هذه الدول عرضة مباشرة للتلوث والحوادث والمخاطر الناتجة عن مرور عشرات الآلاف من السفن سنويا بمحاذاة سواحلها ومياهها الإقليمية.
ولعل ما يزيد من مشروعية هذا النقاش أن سلطنة عُمان لم تُعرف تاريخيا بسياسات الابتزاز أو التهديد أو عسكرة الممرات البحرية، بل على العكس لعبت دورا متوازنا ومسؤولا في حماية استقرار المنطقة وضمان استمرار الملاحة الدولية، مع التزامها الدائم بالقانون الدولي والدبلوماسية والحلول السلمية.
ومن غير المنطقي أن تستمر الدول الساحلية في تحمّل الكلفة البيئية والأمنية والتنظيمية وحدها، بينما يستفيد العالم بأسره -من شركات الشحن العملاقة إلى الاقتصادات الصناعية الكبرى- من انسياب التجارة والطاقة عبر هذه الممرات الحيوية دون مساهمة عادلة في كلفة حمايتها واستدامتها.
إن النقاش الحقيقي اليوم لا ينبغي أن يكون حول "من يسيطر على المضيق"، بل حول كيفية بناء نظام دولي أكثر عدالة يوازن بين حرية الملاحة وحقوق الدول الساحلية في حماية بيئتها وأمنها واستقرارها الاقتصادي.
