د. محمد بن خلفان العاصمي
دائمًا ما سعى الكيان الصهيوني إلى فرض نفسه على العالم العربي منذ قيام دولته المزعومة في عام 1948، محاولًا بكل الطرق والوسائل الممكنة وغير الممكنة فرض نفسه كواقع يتحتم على الأمة العربية والإسلامية تقبله والتعايش معه! وطوال سنوات الاحتلال كان هذا الحلم هو هدف هذه الدولة اللقيطة، التي اتخذت مسارات مختلفة للوصول إلى هذه الغاية التي تمكنها من تحقيق فكرة وجود وطن حقيقي لليهود في هذا العالم الذي لفظهم منذ سنوات طويلة جدًا، وهذا بحد ذاته هو المقياس الحقيقي لفكرة قيام هذه الدولة ومدى نجاحها في انتزاع الاعتراف من الدول العربية والعيش معها في محيط جغرافي واحد.
فمنذ كامب ديفيد إلى أوسلو ومدريد ووادي عربة، وأخيرًا الاتفاقيات الإبراهيمية، ظلت هذه الدولة تبحث لها عن صيغة تناسبها لتفرض على العالم قبولها كدولة طبيعية، في نفس الوقت الذي تمارس فيه أقسى وأبشع الجرائم الإنسانية بحق شعب أعزل، تقتل أبناءه وتجرف منازله وتحرق مزارعه وتغتصب أرضه، ورغم ذلك تذهب بكل بجاحة إلى مؤتمرات السلام لتدعي أنها ترغب بالسلام مع العرب، وأنها مستعدة لمد يدها لكل الجهود المقدمة، وأنها تتعرض لموجة من الكراهية والتحريض والإقصاء والعزل، وما أن تنتهي هذه المؤتمرات وتوقع الاتفاقيات حتى تعود وتماطل في تطبيق قراراتها، وتنسف كل الجهود التي لا تتماشى مع رؤيتها للسلام، ذلك السلام الذي يعني أن لها كل شيء ولا شيء لغيرها.
فكرة الصهاينة عن السلام مختلفة جدًا عن فكرة جميع شرفاء العالم ومنظماته وكياناته؛ إذ إنهم ينطلقون من مبدأ ديني يزعمون أن لهم حقًا تاريخيًا في (أرض إسرائيل)، وأنهم يجب أن يعودوا لهذه الأرض يومًا ما، لذلك عندما يذهبون لأي اتفاق سلام فهم يضعون في أذهانهم هذا المبدأ ويتحركون نحوه دون اكتراث بما يتم طرحه، بل إنهم يستغلون هذه المفاوضات لكسب مزيد من الوقت والحصول على تنازلات تساعدهم على التركيز وتكريس جهودهم في مواجهة واحدة. والمتتبع لجميع الأزمات التي تثور بين فترة وأخرى ويتم خلالها انتهاك الاتفاقيات يرى بوضوح أن هذا السلوك المتكرر هو سلوك مقصود؛ لأن غاية اليهود ليست التطبيع واستقرار المنطقة كما يزعمون ويزعم المخدوعون بتصريحاتهم والمتصهينون من العرب والمسلمين؛ بل إن غايتهم واضحة من البداية، وهي إسرائيل الكبرى، ولن يتوقفوا قبل تحقيقها.
إن فكرة الاتفاقيات الإبراهيمية ما هي إلا جزء من الخديعة الكبرى، يسعى الصهاينة من خلالها لإعادة تشكيل التحالفات في المنطقة بما يخدم توجهاتهم السياسية وأطماعهم، وقد انتقل الصراع بعد هذه الاتفاقيات من مواجهة "إسلامية عربية - إسرائيلية" إلى مواجهة "عربية - عربية - إسلامية"، وهذا تحول كبير في الصراع العربي الإسرائيلي منذ النكبة إلى اليوم، وربما يظن البعض أن التعايش بين الأديان هو أساس المشكلة وبداية الحلول، رغم أن اليهود عاشوا في الجزيرة العربية منذ قرون طويلة بسلام وتسامح مع المسلمين، وهذه مغالطة كبيرة، بل هي ذريعة لتمرير فكرة هذه الاتفاقيات.
الاتفاقيات الإبراهيمية فكرة خبيثة تتجاهل حق الفلسطينيين في قيام دولة مستقلة، وتتجاهل فكرة أن دولة الاحتلال قامت على أرض مغتصبة مورست فيها شتى وسائل الاضطهاد والتهجير والإبادة الجماعية، وتتجاهل طرفًا أساسيًا في هذه المعادلة التاريخية، كما أنها لا تنظر إلى القضية الفلسطينية كجزء من الحل؛ بل إنها تسعى لتمييع القضية وتسطيحها وعزلها وعدم إدخالها كجزء من الحل، وتتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة، فكرة تهدف إلى إكمال مشروع إسرائيل الكبرى بطريقة سهلة وسريعة.
لقد فهمت سلطنة عُمان وعدد من الدول مغزى هذا المغتصب، ومن ورائه الولايات المتحدة الأمريكية، ورغبتهما في تمرير هذه الاتفاقيات التي تم تسويقها على أنها الحل الأمثل لتحقيق الاستقرار الأمني في المنطقة، وأنها سوف تكون عاملًا رئيسًا في النمو الاقتصادي في المنطقة، والسبيل الأمثل لتحقيق شراكة استراتيجية بين دول المنطقة بما فيها الكيان المحتل، الذي يضمن حصول دول المنطقة على شراكة حقيقية في مجالات الصناعة والزراعة والتجارة والاستثمار وغيرها من المجالات التي يتفوق فيها، وتضمن لهم مواجهة المد الإيراني الذي يقدمونه على أنه مهدد لأمن المنطقة واستقرارها.
ولأن هذا المشروع لم يلقَ النجاح المطلوب والمتوقع، رغم ضغط الولايات المتحدة الأمريكية بكل قوة في اتجاه تحقيقه على أرض الواقع منذ إطلاقه في سبتمبر 2020، رأت إسرائيل وأمريكا أنه لا بد من تغيير استراتيجية فرض هذا المشروع على دول المنطقة، وهي الشرارة الأساسية للأزمة الأخيرة والحرب على إيران بهدف إحداث أزمة بين دول الخليج وإيران تدفعها لتشكيل تحالف من خلال هذه الاتفاقية لمواجهة ما يزعمون أنه "المد الإيراني" وتحييد أطماعه في المنطقة. وهذا بالفعل ما اتضح مع مرور الأيام وفشل تحقيق هذا الهدف الخفي، ليظهر على السطح بشكل علني وصريح من خلال تصريحات مباشرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبعض أذرعه حول هذا المشروع وضرورة دخول دول المنطقة فيه والتوقيع عليه.
لا يختلف مشروع "الاتفاقيات الإبراهيمية" عن "وعد بلفور" في شيء، فإذا كان بلفور قد أعطى أرضًا لا يملكها لكيان لا يستحقها، فإن هذه الاتفاقيات تشرعن هذا الحق وتجعل من هذا الكيان حقيقة شرعية بالشكل الذي يريده الصهاينة، والعامل المشترك في كلا المشروعين هو تجاهل الشعب الفلسطيني وكأنه لا وجود ولا مكان له في فلسطين، والمؤسف أن هناك من لا يزال يرى في هذا الكيان رغبة في السلام والاستقرار، رغم أن المواقف أثبتت عبر التاريخ أنهم لا عهد لهم.
