د. أم السعد مكي**
ليست كل الانتخابات تُختزل في أسماء الفائزين؛ فبعضها يترك وراءه أسئلة أكبر من النتائج نفسها، حيث تتحول الأرقام إلى مؤشرات تعكس التحولات التي تطال المجتمع والسياسة، ويصبح تحليل ما لم يحدث أحيانًا أكثر أهمية من الاحتفاء بما حدث.
ومع انتهاء الانتخابات التشريعية التي جرت في الجزائر مطلع شهر يوليو 2026، أُغلقت مرحلة انتخابية حملت معها طموحات العديد من النساء اللواتي خضن غمار المنافسة السياسية من أجل الوصول إلى البرلمان. اختفت اللافتات الانتخابية، وانطفأت كاميرات الحملات، وعادت المنصات الرقمية إلى روتينها السابق، غير أن سؤالًا ظل حاضرًا بإلحاح أكبر من إعلان النتائج نفسها: لماذا لم تفز النساء؟ أو بصيغة أخرى: لماذا لم تحظَ المترشحات بثقة صناديق الاقتراع رغم الحضور الإعلامي والرقمي الذي رافق حملاتهن الانتخابية؟
لا يبحث هذا السؤال عن تفسير عددي لعدد المقاعد التي آلت إلى النساء أو الرجال فقط، بل يفتح الباب أمام قراءة أعمق للتحولات التي كشفتها هذه الانتخابات في العلاقة بين الإعلام والسياسة، وبين الخطاب الانتخابي وثقة الناخب، وبين الحضور الرقمي والتأثير الحقيقي في صناديق الاقتراع.
كما يطرح السؤال طبيعة العلاقة بين مبدأ تكافؤ الفرص بين الجنسين، الذي اعتمده المشرع الجزائري دعمًا لمشاركة المرأة في الحياة السياسية، وبين منطق المنافسة الانتخابية. فهذا المبدأ يضمن حق الترشح ويفتح المجال أمام المشاركة، لكنه لا يجعل الفوز نتيجة آلية أو امتيازًا قائمًا على الجنس، إذ تبقى المترشحة مطالبة بإثبات قدرتها على إدارة الحملة الانتخابية، وبناء علاقة ثقة مع الناخبين، وترجيح كفة الفوز لصالحها ولصالح الحزب الذي تمثله.
المرأة بين ضمان المشاركة وتحدي الفوز
لفهم وضعية المرأة في تشريعيات 2026، لا بد من العودة إلى المسار الذي عرفه التشريع الانتخابي الجزائري خلال السنوات السابقة. فقد مر هذا المسار بمرحلتين أساسيتين؛ تمثلت الأولى في اعتماد نظام التمييز الإيجابي (الكوتا) ابتداءً من قانون 2012، حيث فُرضت نسب دنيا لتمثيل النساء في القوائم الانتخابية بهدف رفع حضورهن داخل البرلمان بعد أن كان محدودًا.
أما المرحلة الثانية، التي سبقت تشريعيات يوليو 2026، فاتجهت نحو تقليص الاعتماد على هذا النظام، والاقتراب أكثر من مبدأ تكافؤ الفرص، مع الإبقاء على حضور النساء ضمن قوائم الترشح، إلى جانب شروط أخرى مرتبطة بالشباب والمؤهلات.
وتكشف أرقام التمثيل النسوي داخل المجلس الشعبي الوطني مسار هذا التحول؛ فقد بلغ عدد النساء المنتخبات في تشريعيات 2012 نحو 146 امرأة من أصل 462 مقعدًا، ثم تراجع العدد إلى 119 امرأة في تشريعيات 2017، قبل أن ينخفض إلى 33 امرأة من أصل 407 مقاعد في تشريعيات 2021. أما في تشريعيات يوليو 2026، فقد بلغ عدد النائبات 23 امرأة من أصل 407 مقاعد، وهو ما يعكس تراجعًا واضحًا في مستوى الحضور النسوي داخل البرلمان مقارنة بالمراحل السابقة.
ولا يمكن قراءة هذا التراجع باعتباره نتيجة لعامل واحد فقط، بل في سياق تحول أوسع في فلسفة المشاركة السياسية؛ فبعد مرحلة كان فيها القانون يتدخل لضمان حضور نسوي أكبر، أصبحت المنافسة الانتخابية أكثر ارتباطًا بالأداء، وبقدرة المترشحات على استقطاب الأصوات، وبالعوامل التنظيمية والسياسية المرتبطة بكل قائمة وحزب.
وبذلك، أصبحت المترشحة مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، ببناء قاعدة انتخابية تؤمن برؤيتها وبرنامجها، حتى وإن كان هذا البرنامج، في عمومه، يعكس توجهات الحزب الذي تنتمي إليه. فالناخب لا يصوت للصفة فقط، وإنما للشخص الذي يراه قادرًا على تمثيله والدفاع عن انشغالاته.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: ما الذي ستقدمه المرأة المترشحة مقارنة بالرجل؟ وهو سؤال لا ينتقص من قدرتها، وإنما يرتبط بقدرتها على تقديم إضافة سياسية واضحة، وإدارة حملة ميدانية فعالة، وإقناع الناخبين ببرنامجها، والاستفادة من موقعها داخل القائمة ومن الأصوات التفضيلية.
ومن منظور القانون الدستوري، يمكن اعتبار التشريع الحالي محاولة لتحقيق توازن بين مبدأين أساسيين: تكافؤ الفرص بين المترشحين، ودعم مشاركة المرأة في الحياة السياسية، دون الوصول إلى تخصيص مقاعد مضمونة كما كان الحال في ظل نظام الكوتا الواسع. لذلك، فإن نجاح المرأة في تشريعيات 2026 أصبح يعتمد بدرجة أكبر على المنافسة السياسية الفعلية، مع استمرار بعض التدابير التشجيعية في مرحلة إعداد القوائم الانتخابية، وليس في مرحلة توزيع المقاعد.
اختبار للفاعلين السياسيين
إن الاقتصار على قراءة نتائج الانتخابات من زاوية الأرقام وحدها يختزل حدثًا سياسيًا معقدًا في معادلة حسابية جامدة، فالانتخابات ليست مجرد سباق على المقاعد، وإنما هي اختبار لقدرة الفاعلين السياسيين على بناء الثقة، وامتحان لفاعلية الخطاب الانتخابي والإعلامي، ومرآة تعكس طبيعة الثقافة السياسية السائدة داخل المجتمع.
كما أن قراءة نتائج مشاركة المرأة لا يمكن فصلها عن طبيعة الأحزاب التي تنتمي إليها المترشحات، وعن تفاوت الرصيد السياسي والتنظيمي بين مختلف التشكيلات. فالأحزاب لا تدخل الانتخابات بالشروط نفسها؛ إذ تختلف من حيث الخبرة، والانتشار، والقدرة على التأطير والحشد.
ولا يمكن، بطبيعة الحال، مقارنة العمر النضالي والتنظيمي لحزب جبهة التحرير الوطني، باعتباره سليل جبهة التحرير الوطني التاريخية (الأفلان-FLN)، بباقي الأحزاب والتشكيلات السياسية. فالتجربة التنظيمية، والامتداد المجتمعي، والقدرة على التعبئة، كلها عوامل تؤثر في طبيعة المنافسة الانتخابية ونتائجها.
وعليه، فإن السؤال الذي تطرحه تشريعيات 2026 لا ينبغي أن يقتصر على: كم عدد النساء اللواتي فزن؟ بل يمتد إلى سؤال أعمق: ما الشروط السياسية والتنظيمية والاتصالية التي تسمح بتحويل مشاركة المرأة من مجرد حضور في القوائم الانتخابية إلى تمثيل فعلي ومؤثر داخل البرلمان؟
شهرة رقمية.. وشرعية انتخابية: بين وهم الشعبية وفرص الاستثمار
في عالم "الشبكة السيبرانية الطافرة"، كما يسميه الأستاذ رحال سليمان -الباحث الجزائري- لم يعد بالإمكان التسليم بأن الشهرة الرقمية تقود بالضرورة إلى الشرعية الانتخابية، بل إن تشريعيات يوليو 2026 كشفت بوضوح الفجوة بين الحضور في الفضاء الافتراضي والنتائج التي أفرزتها صناديق الاقتراع. فخلال الحملة الانتخابية، بدت المنصات الرقمية وكأنها الساحة الأولى للمنافسة، وتحول عدد المتابعين، وحجم التفاعل، وكثرة المشاهدات إلى مؤشرات يعتقد البعض أنها تعكس الوزن السياسي للمترشح/ة، وقد خلق هذا الحضور أحيانًا انطباعًا بأن القوة الرقمية يمكن أن تتحول مباشرة إلى قوة انتخابية، غير أن النتائج أكدت أن السياسة لا تُقاس بالمؤشرات الرقمية وحدها، وأن الناخب لا يصوت بالضرورة لمن يملأ الشاشات، بل لمن ينجح في بناء علاقة ثقة معه.
لقد أبرزت هذه الانتخابات حدود ما يمكن تسميته بـ"وهم الشعبية الرقمية"، حيث قد يمنح الحضور المكثف على المنصات إحساسًا بقوة التأثير، بينما يكشف الواقع الانتخابي أن المتابع ليس بالضرورة ناخبًا، وأن التفاعل الرقمي لا يتحول تلقائيًا إلى اختيار داخل صندوق الاقتراع. وهي مفارقة تلتقي مع ما أشار إليه بعض رواد دراسة الجماهير، وعلى رأسهم غوستاف لوبون، حول تأثير الصور والانطباعات في تشكيل الإدراك الجماعي، دون أن يعني ذلك دائمًا تطابق هذا الإدراك مع الواقع. وفي مجال الاتصال، يميز المختصون بين الوصول والتأثير؛ فانتشار الرسالة ووصولها إلى جمهور واسع لا يعني بالضرورة قدرتها على تغيير المواقف أو بناء القناعة السياسية.
من جهة أخرى، فإن امتلاك الوسيلة الرقمية، حسب وجهة نظر مارشال ماكلوهان في تحليله لعلاقة الوسيلة بالرسالة، لا يكفي وحده لصناعة التأثير، لأن الرسالة السياسية تحتاج إلى مضمون مقنع، وسياق اجتماعي، وعلاقة ثقة، حتى تتحول من حضور إعلامي إلى قوة انتخابية.
ومن هذا المنطلق، فإن الشهرة قد تصنع الانتباه، لكنها لا تصنع وحدها الشرعية، لأن الشرعية الانتخابية تُبنى عبر المصداقية، والحضور الميداني، والقدرة على فهم انشغالات المواطنين وتحويل الخطاب إلى قناعة. فالمؤشرات الرقمية قد تعكس اهتمامًا أو فضولًا أو تفاعلًا، لكنها لا تقدم بالضرورة صورة كاملة عن اتجاهات التصويت. ومع ذلك، فإن حدود التأثير الرقمي لا تنتقص من القيمة السياسية التي أتاحتها البيئة الرقمية، لا سيما بالنسبة للمرأة، التي وجدت فيها فضاءً أوسع للظهور، والتعبير عن أفكارها، وعرض برنامجها، والتواصل المباشر مع الناخبين، وهذا مكسب لا ينبغي التقليل من أهميته وقيمته. غير أن هذا الفضاء فرض، في المقابل، منطقًا جديدًا يقوم على السرعة والاختزال والمنافسة على جذب الانتباه، حيث يصبح المحتوى الأكثر انتشارًا ليس بالضرورة الأكثر عمقًا أو إقناعًا.
ومن ثم، فإن الاستثمار في الإعلام الرقمي يظل ضرورة في الحملات الانتخابية الحديثة، لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن العمل السياسي المنظم، أو الحضور الميداني، أو العلاقة المستمرة مع المواطنين. فالناخب لا يمنح صوته لمن يعرفه فقط، بل لمن يثق به، ويقتنع ببرنامجه، ويشعر بقربه من قضاياه اليومية. ولعل أهم درس كشفت عنه هذه التجربة أن الاتصال السياسي لا يبدأ مع أول منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا ينتهي بإغلاق صناديق الاقتراع، بل هو عملية مستمرة لبناء الثقة وترسيخ المصداقية داخل المجتمع.
لذلك، فإن مستقبل الحملات الانتخابية في الجزائر لن يرتبط فقط بامتلاك أدوات رقمية أكثر تطورًا، وإنما بامتلاك رؤية اتصالية أكثر نضجًا تجعل التكنولوجيا وسيلة لتعميق الحوار مع المواطن، لا مجرد أداة لزيادة المشاهدات.
ما بعد تشريعيات 2026؟
بعد كل انتخابات، تتجه الأنظار إلى القوائم الفائزة، وإلى المقاعد التي حُسمت، وإلى الأسماء التي ستدخل البرلمان. غير أن القراءة الأكثر عمقًا لا تبدأ عند إعلان النتائج، بل بعد انقضاء الضجيج الانتخابي، عندما يصبح السؤال الحقيقي: ماذا تعلمنا؟ فقد أكدت تشريعيات الجزائر 2026 مرة أخرى أن الديمقراطية ليست مجرد صندوق اقتراع، بل هي منظومة متكاملة تتداخل فيها القوانين، والأحزاب، والإعلام، والمؤسسات، والثقافة السياسية، وتنتهي عند الناخب الذي يتخذ قراره في لحظة قصيرة، لكنها تختزن سنوات من التجارب والانطباعات والانتظارات.
ومن منظور متوازن للمشهد الانتخابي، لا يمكن اختزال نتيجة مشاركة المرأة في عامل واحد، أو تحميل المترشحات وحدهن مسؤولية عدم الفوز، أو إلقاء المسؤولية كاملة على المجتمع أو الإعلام أو الأحزاب. فالعملية الانتخابية هي حصيلة تفاعل معقد بين الإطار القانوني، وقدرة التنظيمات السياسية على التأطير، وفاعلية الاتصال السياسي، والبيئة الإعلامية، والثقافة الانتخابية، إضافة إلى الأداء الفردي للمترشحين والمترشحات.
ومن هنا تبرز أهمية مرحلة ما بعد الانتخابات، باعتبارها مرحلة تقييم لا تقل أهمية عن مرحلة الحملة نفسها. فاعتماد مقاربات تحليلية مثل SWOT ودورة ديمنغ (PDCA) يسمح بقراءة التجربة الانتخابية بعيدًا عن منطق النجاح أو الفشل فقط؛ إذ تساعد الأولى على تشخيص نقاط القوة والضعف، ورصد الفرص والتحديات داخل البيئة السياسية والتنظيمية، بينما تركز الثانية على تحويل نتائج التقييم إلى مسار مستمر من التخطيط والتنفيذ والمراجعة والتحسين. وهما لا تُستخدمان للحكم على شرعية الانتخابات أو نتائجها، وإنما لفهم الأداء الانتخابي والعوامل المؤثرة فيه.
إن قراءة نتائج تشريعيات 2026 من هذا المنظور تكشف أن مستقبل المشاركة السياسية للمرأة لا يرتبط فقط بعدد الأسماء النسائية الموجودة في القوائم، بل بطبيعة المسار السياسي والتنظيمي والاتصالي الذي يسبق الانتخابات بسنوات. فالحضور داخل المؤسسات المنتخبة هو نتيجة تراكم الخبرة، وبناء الثقة، وتطور العلاقة بين الأحزاب والمجتمع، وليس مجرد حضور ظرفي مرتبط بالمواعيد الانتخابية.
كما كشفت هذه الانتخابات أن الحضور الإعلامي، مهما اتسع، لا يكفي وحده لصناعة الفوز، وأن المنصات الرقمية، مهما بلغت قدرتها على الانتشار، لا تستطيع أن تعوض غياب الثقة. فالسياسة ليست سباقًا على عدد المشاهدات، وإنما هي قدرة على بناء علاقة مستدامة مع المواطن، قائمة على المصداقية، والاقتراب من انشغالاته، وتحويل الخطاب إلى قناعة انتخابية. فالخسارة الانتخابية لا تعني فقط فقدان مقعد برلماني، بل قد تعني أيضًا ضياع فرصة لتجميع المطالب المجتمعية والتعبير عنها داخل المؤسسات المنتخبة.
ومن هنا، فإن السؤال الذي بدأ به المقال: "لماذا لم تفز النساء؟" لم يعد، في نهايته، السؤال الأهم، لأن البحث قاد إلى سؤال أوسع: كيف يمكن للاتصال السياسي أن يعيد بناء الثقة بين المواطن والحياة السياسية؟ فتصبح الديمقراطية نفسها أمام تحدي تعزيز المشاركة والمعنى.
إن تمكين المرأة سياسيًا لا يتحقق بالشعارات أو بالمعالجات الموسمية، وإنما ضمن مسار طويل يرتبط بتطور الحياة السياسية نفسها، وبقدرة المؤسسات والأحزاب والمجتمع على إنتاج مشاركة تقوم على الكفاءة والمصداقية. كما أن مستقبل الاتصال السياسي لن يرتبط فقط بامتلاك منصات رقمية أكثر تطورًا، بل بامتلاك القدرة على بناء سردية سياسية مقنعة تحول الرسالة إلى ثقة، والثقة إلى مشاركة؛ فالانتخابات ليست فقط منافسة على الأصوات، بل هي أيضًا منافسة على المعنى، ويحدونا أمل في أن تتحول الدروس التي أفرزتها هذه الانتخابات إلى فرصة للمراجعة والتطوير، لا إلى مناسبة لتبادل الاتهامات، بل مساحة تتعلم منها المترشحات لتصحيح مسارهن السياسي، طمعًا في توسيع القاعدة الشعبية، وأملًا في استقطاب مشاركة الناخبين في المناسبات الانتخابية القادمة، حيث إن الأنظار مشدودة من جديد لما سيصدره رئيس الجمهورية من مراسيم لاستدعاء الهيئة الناخبة، ولعل أقربها تاريخ الاقتراع المحلي...
فهل تمتلك النساء القدرة على لملمة جهودهن، وخوض لُجّة العمل السياسي من جديد، ليس بحثًا عن حضور رمزي، بل عن تمثيل فعلي داخل المؤسسات المنتخبة؟
**أستاذة وباحثة في علوم الإعلام والاتصال – الجزائر
