مجيد العصفور
عندما يلتقي الأرسنال الإنجليزي وباريس سان جيرمان الفرنسي الليلة (السبت 30 مايو الجاري) في نهائي دوري أبطال أوروبا بالعاصمة المجرية بودابست، فإننا لا نكون أمام مباراة نهائية تقليدية بقدر ما نكون أمام مواجهة تحمل أبعادًا فنية وتكتيكية متعددة بين مشروعين مختلفين وصلا إلى قمة الهرم الأوروبي بطريقتين متباينتين.
الأرسنال يدخل اللقاء وهو يعيش واحدة من أفضل فتراته خلال العقود الأخيرة، بعد أن نجح في استعادة هويته التنافسية وتحقيق إنجاز تاريخي تُوج من خلاله بطلًا للدوري الإنجليزي الممتاز، عقب سنوات طويلة من الانتظار والصبر من جماهيره التي ظلت مؤمنة بقدرة النادي على العودة إلى مكانته الطبيعية بين كبار أوروبا. كما أن الأرقام التي حققها الفريق هذا الموسم، سواء على مستوى النادي أو لاعبيه، تعكس حجم التطور الذي شهده المشروع الفني بقيادة ميكيل أرتيتا.
من الناحية الفنية، يتميز الأرسنال بقوة العمل الجماعي أكثر من اعتماده على الحلول الفردية. الفريق يمتلك منظومة ضغط منظمة، وتحولات سريعة، وخطًا دفاعيًا يعد من بين الأقوى أوروبيًا هذا الموسم، إضافة إلى تنوع كبير في الحلول الهجومية. كما أن الكرات الثابتة تمثل أحد أبرز مفاتيح لعبه بعدما سجل منها 37 هدفًا في مختلف المسابقات، وهو رقم يعكس حجم العمل الفني الذي أُنجز داخل الفريق.
في المقابل، يخوض باريس سان جيرمان النهائي وهو يحمل صفة حامل اللقب، مستندًا إلى خبرة أوروبية حديثة اكتسبها من تتويجه التاريخي الموسم الماضي. الفريق الفرنسي يطمح إلى الحفاظ على الكأس للموسم الثاني على التوالي، في إنجاز لم يتحقق إلا نادرًا في تاريخ البطولة، وكان آخر من حققه ريال مدريد بين عامي 2016 و2018.
ويعتمد باريس سان جيرمان على عناصر مختلفة عن منافسه الإنجليزي؛ إذ ترتكز قوته الأساسية على الجودة الفردية للاعبيه، والسرعة الكبيرة في التحولات الهجومية، والقدرة على استغلال المساحات بأقصى درجة ممكنة. كما يمتلك عددًا من اللاعبين القادرين على صناعة الفارق من أنصاف الفرص، وهي ميزة كثيرًا ما صنعت الفارق في المباريات الكبرى.
وعند قراءة نقاط القوة والضعف لدى الفريقين، تبدو الصورة واضحة إلى حد بعيد. الأرسنال يتفوق في الانضباط التكتيكي والتنظيم الجماعي والكرات الثابتة، لكنه يفتقد إلى الخبرة الكبيرة في النهائيات الأوروبية، كما يعاني أحيانًا من إهدار الفرص وصعوبة اختراق الكتل الدفاعية المتأخرة. أما باريس سان جيرمان فيتميز بخبرته الحديثة في المباريات الكبرى وبالسرعة والحسم الفردي، لكنه قد يترك مساحات خلفية نتيجة الاندفاع الهجومي، كما أن استقباله لهدف مبكر قد يؤثر أحيانًا على استقراره الذهني داخل المباراة.
ومن وجهة نظري الفنية، فإن شكل المباراة هو الذي سيحدد هوية البطل أكثر من أي عامل آخر. فإذا اتجهت المواجهة نحو الإيقاع السريع واللعب المفتوح وتبادل الهجمات، فإن الأفضلية ستكون أقرب إلى باريس سان جيرمان لما يمتلكه من قدرات فردية وسرعة في التحول. أما إذا نجح الأرسنال في فرض مباراة تكتيكية تعتمد على الصبر والانضباط وتقليل المساحات، فإن حظوظه سترتفع بشكل ملحوظ.
كما أن الهدف الأول سيكون عاملًا حاسمًا في رسم ملامح اللقاء، لأنه سيجبر أحد الفريقين على تغيير خططه الفنية، وهو ما قد يفتح مساحات إضافية أو يمنح الطرف المتقدم أفضلية نفسية وتكتيكية مهمة.
ويشهد النهائي أيضًا مواجهة خاصة بين مدربين من المدرسة الإسبانية؛ لويس إنريكي الذي يمتلك خبرة واسعة في إدارة النهائيات والبطولات الكبرى، وميكيل أرتيتا الذي نجح خلال فترة قصيرة في بناء فريق منظم ومنضبط أعاد الأرسنال إلى الواجهة الأوروبية.
ورغم أن أغلب المؤشرات الفنية تميل بصورة طفيفة لصالح باريس سان جيرمان بفضل خبرته الأوروبية الحديثة وقدرته على الحسم الفردي، فإن الأرسنال يمتلك بدوره عناصر مهمة قد ترجح كفته، أبرزها تألق الحارس دافيد رايا، وفاعلية الكرات الثابتة، والدافع المعنوي الكبير لتحقيق أول لقب أوروبي في تاريخ النادي.
في النهاية، نحن أمام نهائي يصعب التنبؤ بتفاصيله، لأنه يجمع بين فريق يمثل قوة المنظومة الجماعية والانضباط التكتيكي، وآخر يجسد قيمة الخبرة والمهارة الفردية. ولهذا السبب تحديدًا ينتظر عشاق كرة القدم حول العالم هذه المواجهة التي تتصدر المشهد التنافسي الكروي العالمي، على أمل مشاهدة نهائي يليق بقيمة البطولة وعراقة الفريقين.
