د. علي موسى الكناني
يشهد الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية تتسم بتصاعد التوترات الأمنية وتداخل المصالح الإقليمية والدولية المعقدة؛ الأمر الذي يجعل الأمن القومي للدول الواقعة في قلب المنطقة أمام اختبارات استثنائية وغير مسبوقة.
ويأتي العراق في مقدمة هذه الدول، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي الذي يربط المشرق العربي بالخليج وإيران وتركيا، بل أيضًا بحكم شبكة علاقاته السياسية والاقتصادية والأمنية الواسعة مع مختلف الأطراف الفاعلة في الإقليم والعالم. والتصعيد القائم اليوم بين الولايات المتحدة وإيران؛ سواء بقي ضمن حدود الردع المتبادل أو تطوَّر إلى مواجهة أوسع، يضع العراق أمام تحديات استراتيجية بالغة التعقيد؛ لأن مسرح الأحداث الجغرافي والسياسي يجعل تأثيرات هذه الأزمة الإقليمية المثلثة الأطراف تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أمنه الوطني واقتصاده واستقراره الداخلي. لذلك فإن المحافظة على الأمن القومي العراقي تعد ضرورة وجودية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمستقبل الدولة ومسار استقرارها.
لقد تغيَّر مفهوم الأمن القومي بصورة جوهرية خلال العقود الأخيرة، فلم يعد يقتصر على المعايير التقليدية المتعلقة بحماية الحدود ومنع الاختراقات العسكرية فحسب، بل أصبح مفهومًا شاملًا يمتد ليشمل حماية القرار الوطني، الاقتصاد، وأمن الطاقة، والأمن السيبراني، والأمن الغذائي والمائي، إضافة إلى حماية المجتمع من الاستقطابات السياسية الحادة والحروب الإعلامية وحملات التضليل الممنهجة. وهذا الفهم الشامل يفرض على الدولة اعتماد استراتيجية متكاملة لإدارة المخاطر بدلا من الاكتفاء بردود الأفعال المتقطعة التي لا تعالج جذور الأزمات. وتتمثل أُولى ركائز هذه الاستراتيجية في ترسيخ مبدأ السيادة الوطنية، فكلما كان القرار العراقي مُستقلًا ومُنطلقًا حصرًا من المصلحة الوطنية العليا، ازدادت قدرة البلاد على تجنب الانجرار إلى صراعات الآخرين وأجنداتهم الإقليمية والدولية. وسياسة التوازن في العلاقات الخارجية ليست موقفًا سلبيًا أو حيادًا شكليًا مُفرغًا من المضامين، وإنما أداة استراتيجية فاعلة لحماية المصالح الوطنية، من خلال الحفاظ على قنوات اتصال مستمرة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، ودون السماح بأي حال من الأحوال بتحويل الأراضي العراقية إلى ساحة مواجهة أو منصة لتبادل الرسائل العسكرية السلبية بين واشنطن وطهران وعواصم الخليج.
إلى جانب ذلك، يمتلك العراق فرصة تاريخية مهمة لأداء دور سياسي ودبلوماسي نشط في تخفيف حدة التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة وإيران وبينهما دول الخليج العربي، مستفيدًا من شبكة علاقاته المتوازنة مع جميع هذه الأطراف المؤثرة في المشهد الإقليمي. فقد أثبت الواقع السياسي أن الدول التي تنجح في أداء دور الوسيط النزيه تكسب مكانة سياسية أكبر، وتعزز أمنها القومي، وتحد بصورة ملحوظة من احتمالات انتقال الصراعات إلى داخل حدودها. وعلى المستوى الأمني، فإن المرحلة الراهنة تتطلب أعلى درجات الجاهزية واليقظة المستمرة؛ فالتهديدات لم تعد تقتصر على العمليات العسكرية التقليدية، وإنما تمتد لتشمل الهجمات السيبرانية المعقدة، ومحاولات استهداف البنى التحتية الحيوية للطاقة والملاحة المرتبطة بالخليج، وحروب المعلومات، والضغوط الاقتصادية، والتهديدات العابرة للحدود التي تستهدف استقرار المجتمعات. ولذلك فإن تطوير القدرات الاستخبارية، وتعزيز منظومات الإنذار المبكر، ورفع كفاءة حماية الحدود والمنشآت الاستراتيجية، يمثل ضرورة أمنية لا غنى عنها للحفاظ على استقرار الدولة ومنع أي خروقات محتملة قد تفرزها جبهة التوتر الخليجية الإيرانية الأمريكية.
ولا يقل الأمن الاقتصادي- بأي حال من الأحوال- أهميةً عن الأمن العسكري والسياسي؛ فالالتفاف حول متطلبات التنمية واستدامة الموارد يشكل خط الدفاع الأول ضد الهزات الخارجية. والوترات الإقليمية المُتشعِّبة بين دول الخليج وإيران والولايات المتحدة غالبًا ما تؤدي إلى اضطراب حركة التجارة الدولية، وتقلبات حادة في أسعار النفط العالمية، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري في الممرات المائية الحيوية، وتراجع ثقة المستثمرين الأجانب والمحليين في البيئة الاستثمارية للمنطقة. ومن زاوية استراتيجية دقيقة، فإن أخطر ما قد يواجه العراق ليس الحرب المباشرة بحد ذاتها، وإنما الانزلاق التدريجي إلى دائرة الصراع نتيجة تراكم الضغوط والتفاعلات الإقليمية المتسارعة. لذلك فإن إدارة الأزمات تتطلب قراءة استباقية واعية للمتغيرات، ووضع سيناريوهات متعددة للتعامل مع مختلف الاحتمالات، بما يحافظ على استمرارية عمل مؤسسات الدولة، ويضمن حماية المواطنين، ويقلل قدر الإمكان من الآثار السلبية لأي تطورات مفاجئة قد يشهدها الإقليم في المستقبل القريب.
وفي هذا السياق الشامل، يمكن بلورة المسارات الرئيسية لتعزيز الأمن القومي العراقي عبر محاور أربعة متكاملة ومترابطة. يتمثل المسار الأول في تعزيز مناعة الدولة الداخلية عبر الإصلاح المؤسسي الحقيقي والتنمية الاقتصادية وترسيخ سيادة القانون على الجميع دون استثناء. بينما يرتكز المسار الثاني على انتهاج دبلوماسية متوازنة تُركِّز حصرًا على منع التصعيد مع الجوار الخليجي والإيراني والأطراف الدولية وتشجيع الحوار الإقليمي البناء. أما المسار الثالث فيتعلق بتطوير القدرات الدفاعية والاستخبارية والسيبرانية؛ بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الحديثة والمتطورة. ويأتي المسار الرابع ليؤكد على أهمية بناء شراكات اقتصادية وإقليمية ودولية تسهم بشكل فاعل في تعزيز الاستقرار وتوسيع هامش الحركة أمام صانع القرار العراقي.
إنَّ العراق يمتلك من المقومات السياسية والجغرافية والاقتصادية ما يؤهله بجدارة لأن يكون عنصر استقرار حقيقي في المنطقة لا مجرد ساحة خلفية للصراع. وتحقيق هذا الهدف النبيل يتطلب رؤية استراتيجية طويلة الأمد، تستند بإخلاص إلى المصلحة الوطنية العليا، وتتعامل مع المتغيرات الإقليمية بواقعية واتزان شديدين، بعيدًا عن سياسات الاستقطاب الحادة التي لم تجلب للمنطقة سوى الخراب والدمار.
وفي الختام، فإن المحافظة على الأمن القومي العراقي في ظل التصعيد المستمر بين الولايات المتحدة وإيران ودول الخليج العربي لا تتحقق بالشعارات الرنانة، وإنما تتحقق حصرًا عبر بناء دولة قوية بمؤسساتها الدستورية، مستقلة بقرارها السيادي، متماسكة بجبهتها الداخلية، وقادرة تمامًا على حماية سيادتها ومصالحها الوطنية العُليا في كل الظروف والأوقات.
