المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية.. إلى أين تتجه البوصلة؟

 

 

 

د. علي موسى الكناني

دخلت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية مرحلة بالغة الحساسية، بعدما تجاوزت أُطر البحث عن وقف وقتي للتصعيد العسكري، لتلج في محاولات هندسة ترتيبات أمنية وسياسية تضع حدًا لدوائر الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

وتُظهر المباحثات المتعاقبة التي جرت برعاية أميركية متواصلة، وصولًا إلى جولات التفاوض في روما خلال شهر آب، أن هذا المسار لم يعد مجرد منصة لإدارة الأزمات الميدانية، بل استحال اختبارًا عمليًا لإعادة تشكيل بيئة استراتيجية جديدة في الجنوب اللبناني. وفي هذا السياق، تتأسس المحاور الجوهرية لهذه المفاوضات على حزمة من المسارات المترابطة، المتمثلة في تثبيت وقف إطلاق النار، وتوسيع نطاق انتشار الجيش اللبناني، وتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي التدريجي، ومعالجة النقاط الحدودية العالقة، فضلًا عن تكريس حصريّة القرار الأمني والعسكري بيد الدولة اللبنانية؛ وهي مسارات تتقاطع جميعها مع ملف سلاح حزب الله بوصفه التحدي الأشد تعقيدًا، نظرًا لتشابكه العضوي مع التوازنات الداخلية اللبنانية والمعادلات الإقليمية في آن واحد.

ومن هذا المنطلق التكتيكي، تسعى تل أبيب من خلال هذه المفاوضات إلى ترجمة الممارسات الميدانية والعسكرية التي حققتها خلال المواجهات الأخيرة إلى أطر سياسية طويلة الأمد؛ إذ لا يتوقف الاهتمام الإسرائيلي عند حدود الانسحاب الفني، بل يرتكز بالدرجة الأولى على منع عودة التهديدات المسلحة للشريط الحدودي، وضمان وجود سلطة رسمية لبنانية تمتلك القدرة والجاهزية لفرض الترتيبات المتفق عليها. ونتيجة لذلك، تُبدي إسرائيل مرونة مشروطة تجاه الانسحاب التدريجي، شريطة اقترانه بآليات تحقق ومراقبة ميدانية صارمة، ومن هنا تتبلور رؤية المناطق التجريبية التي يُناط فيها بالجيش اللبناني فرض السيطرة الحصرية، كاختبار عملي لمدى قدرة مؤسسات الدولة على إدارة المشهد الأمني في الجنوب، ليصبح التفاوض بالنسبة لتل أبيب عملية إعادة صياغة شاملة للمشهد الناظم لحدودها الشمالية.

وعلى الضفة المقابلة، تتشكل الأولويات اللبنانية من أبعاد مغايرة تضع في صدارتها وقف العمليات الحربية وتثبيت السيادة الوطنية، متبوعة باستعادة المناطق الخارجة عن السيطرة، وتدعيم حضور المؤسسات العسكرية والأمنية، بما يمهد الطريق لاستقرار يسمح ببدء عمليات إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. وبناءً على هذا التصور، يكتسب إصرار السلطة اللبنانية على أحادية التمثيل التفاوضي أهمية بالغة، إذ أعلنت وزارة الخارجية اللبنانية موقفًا حاسمًا يؤكد أن الدولة هي الكيان الوحيد المخول بالتفاوض باسم لبنان، وأن قرار السلم والحرب يجب أن يظل محصورًا داخل المؤسسات الدستورية، ليصبح النجاح بالنسبة لبيروت مقترنًا بقدرتها على تكريس المرجعية السيادية المطلقة للدولة.

وهذا الارتباط الوثيق بمرجعية الدولة يقود بدوره إلى إعادة قراءة موقع القوى الفاعلة ميدانيًا؛ إذ لا يمكن اختزال موقف حزب الله في فرضية الخاسر المطلق حال نجاح المفاوضات، غير أن المؤكد أن أي اتفاق يُفضي إلى حصر السلاح والقرار الاستراتيجي بيد الدولة سيُعيد تحجيم المساحة العسكرية التي تحرك فيها الحزب على مدى العقود الماضية. وفي المقابل، قد يتجه الحزب نحو إعادة تموضع تحول وزنه الثقيل من الفاعلية العسكرية إلى النفوذ السياسي الداخلي، ولا سيما إذا قدمت الدولة ضمانات أمنية وسياسية متماسكة للبيئة الجنوبية، وكان الاتفاق مقرونًا بانسحاب إسرائيلي واضح وقابل للتحقق، لتغدو المعادلة معبرة عن إعادة توزيع للأدوار يتراجع بموجبها الفاعل العسكري غير الرسمي لصالح تعزيز الدور المؤسسي.

وبناءً على هذه التفاعلات المُركَّبة، تتوزع المكاسب والخسائر المفترضة على مختلف الأطراف المعنية، إذ يُعد لبنان المستفيد الأكبر سياسيًا وسياديًا عبر استعادة القرار الوطني والجنوب وفتح المجال أمام إعادة الإعمار، بينما تتلقى إسرائيل مكاسب أمنية جوهرية بتخفيض مخاطر المواجهة على الحدود الشمالية وإيجاد آليات رقابة موثوقة. بالتوازي مع ذلك، تعزز الولايات المتحدة مكانتها كراعٍ إقليمي قادر على إنجاز الترتيبات الاستراتيجية وإدارة الأزمات في الشرق الأوسط، في حين يكون أهالي الجنوب المنتفع المباشر إنسانيًا واقتصاديًا من خلال توقف العمليات العسكرية وعودة الحياة الطبيعية، ليظل منطق الحرب المفتوحة الخاسر الأول أمام صعود الترتيبات.

وختامًا.. تتجه المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية نحو إنتاج ترتيبات أمنية طويلة الأمد أكثر منها صيغة سلام سياسي معلن؛ حيث لن يُقاس نجاح هذا المسار بتوقيع الاتفاقات، بل بمدى القدرة على تحويلها إلى واقع ميداني مستقر يمنع العودة إلى مربع الحرب الأول.

الأكثر قراءة

z