محمد الساعدي
بمثل هذه المُبادرات الطيبة والخيرية ينهض في المجتمع التكافل والخير والمحبة للعطاء، وهو نموذج وفاء لنهج الأسلاف والسير على خطاهم في فعل الخير ومد يد العون للناس. ولم ينظر أبناء ولاية مصيرة إلى هذه المبادرة على أنها مجرد خدمة مؤقتة، بل رأوا فيها امتدادًا حقيقيًا لسيرة الوالد محمد بن علي الحميدي رحمه الله، والذي عُرف طوال حياته بحب النَّاس والوقوف معهم في مختلف الظروف والمواقف.
واليوم يواصل ابنه راشد بن محمد الحميدي هذا الامتداد الطيب، بمحبة الناس ومساندتهم في الأوقات التي يكون الإنسان فيها بأمس الحاجة إلى من يشعر به ويُقدر ظروفه. فنحن مقبلون على أيام عيد الأضحى المبارك، ولا شك أنَّ بعض الناس يمرون بظروف مادية ليست لديهم معها الاستطاعة الكافية، على الأقل في هذه الفترة التي تسبق نزول الرواتب، خصوصًا مع تكاليف التنقل وركوب العبارات بمبالغ الدخول المعروفة عند الدخول إلى ولاية مصيرة، سواء عبر العبارات الحكومية أو الخاصة.
ومن هنا جاءت هذه المبادرة الإنسانية الكريمة، من خلال تسيير رحلات مجانية عبر العبارة “فايكنج” لأهالي ولاية مصيرة الراغبين في شراء مستلزمات العيد من خارج الولاية، ذهابًا وعودة، في خطوة تحمل الكثير من المعاني الإنسانية والاجتماعية النبيلة. فهذه الرحلات المجانية لم تكن مجرد توفير وسيلة نقل، بل كانت رسالة تقدير ومساندة لأبناء المجتمع، وشعورًا صادقًا بمعاناتهم واحتياجاتهم في هذه الفترة المهمة قبل العيد.
وفي هذه المقالة لجريدة الرؤية العمانية، أحب أن أوجه شكري وامتناني لأخينا راشد الحميدي ولكل من أطلق وساهم في هذه المبادرة الإنسانية النبيلة، التي تنم عن رحمة صادقة وإحساس حقيقي بملامسة احتياجات الناس وتقدير ظروفهم في مثل هذه الأوقات. فكم نحن بحاجة إلى أن تولد كل يوم مثل هذه المبادرات في مختلف مجالات العمل الخيري، وأن يتسابق أهل الخير وأصحاب الأموال إلى ما يخدم مصلحة الجميع في هذا المجتمع المتكافل الذي تسوده المحبة والتآلف.
إن تسيير رحلات مجانية لأبناء الولاية في هذا التوقيت يعكس فهمًا عميقًا لمعاناة الناس واحتياجاتهم اليومية، خاصة وأن كثيرًا من الأسر تضطر للسفر إلى خارج الولاية من أجل شراء مستلزمات العيد وقضاء بعض الالتزامات الضرورية. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، تصبح مثل هذه المبادرات متنفسًا مهمًا يخفف شيئًا من الأعباء المالية عن المواطنين، ويمنحهم فرصة لقضاء احتياجاتهم بارتياح أكبر.
وقد عرفت ولاية مصيرة منذ القدم بروح التكاتف بين أهلها، حيث كانت العلاقات الاجتماعية تقوم على التعاون والمساندة والوقوف مع المحتاج، وهي قيم متجذرة في المجتمع العماني عمومًا. واليوم، حين نشاهد مثل هذه المبادرات، فإننا ندرك أن ذلك الإرث الجميل لا يزال حاضرًا في نفوس الأبناء الذين تربوا على حب الخير والإحساس بالناس.
كما أن هذه الرحلات المجانية حملت بعدًا إنسانيًا يتجاوز مجرد النقل، لأنها أدخلت الفرح والطمأنينة إلى نفوس الكثير من الأسر التي كانت تفكر في كيفية تدبير تكاليف العبور والتنقل قبل العيد. فالإنسان في بعض الأوقات لا يحتاج فقط إلى الدعم المادي، بل يحتاج أيضًا إلى أن يشعر بأن هناك من يقدّر ظروفه ويفكر فيه.
ولا شك أنَّ سيرة الوالد محمد بن علي الحميدي- رحمه الله- كانت ولا تزال حاضرة في ذاكرة الكثيرين ممن عرفوه وعرفوا مواقفه الإنسانية المشرفة. فالناس لا تتذكر الإنسان بما يملك فقط، وإنما بما يقدمه من خير ومواقف نبيلة. وحين يسير الأبناء على نهج آبائهم في عمل الخير، فإن ذلك يعد صورة عظيمة من صور الوفاء، واستمرارًا للإرث الطيب الذي يظل أثره ممتدًا عبر الأجيال.
إننا اليوم بحاجة إلى أن تتوسع مثل هذه المبادرات لتشمل مختلف المجالات الاجتماعية والإنسانية، وأن يكون هناك تسابق في صناعة الأثر الطيب وخدمة الناس، لأن المجتمعات التي يسودها الخير والتعاون هي المجتمعات الأقدر على تجاوز الصعوبات وبناء مستقبل تسوده المحبة والتراحم.
وفي الختام، يبقى الشكر والتقدير لكل من يسهم في إدخال الفرح إلى قلوب الناس، ولكل من يجعل من إمكانياته وسيلة لخدمة المجتمع والتخفيف عن الآخرين. فمثل هذه الرحلات المجانية ليست مجرد خدمة عابرة، بل رسالة إنسانية راقية تؤكد أن الخير لا يزال حاضرًا، وأن قيم التكافل والمحبة ستظل جزءًا أصيلًا من مجتمعنا العماني الأصيل.
