د. علي موسى الكناني **
لقاء القمة الذي عُقد بين الرئيس الصيني شي جينبينغ ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، قبل عدة أيام في العاصمة بكين، لم يكن حدثا بروتوكوليًا عاديًا؛ بل جاء في سياق لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، حيث تتداخل الحرب الدائرة في المنطقة مع ملفين بالغَي الحساسية: البرنامج النووي الإيراني وأمن الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز.
القمة، في جوهرها، عكست إدراكا مشتركا لدى القوتين بأن استمرار التصعيد دون ضوابط قد يقود إلى انفجار شامل يتجاوز حدود الشرق الأوسط، ليطال بنية النظام الدولي ذاته، سواء من ناحية الأمن أو الاقتصاد أو استقرار أسواق الطاقة. ومن هنا، يمكن فهم مخرجاتها ضمن إطار "إدارة الصراع" لا "حله".
على مستوى الملف النووي الإيراني، لم تصدر مواقف حاسمة أو بيانات تفصيلية، لكن المؤشرات العامة توحي بوجود تفاهم ضمني على منع انزلاق هذا الملف إلى نقطة اللاعودة. الولايات المتحدة مازالت تنظر إلى البرنامج النووي بوصفه تهديدا استراتيجيا يتطلب استمرار سياسة الضغط، سواء عبر العقوبات أو الردع العسكري غير المباشر. في المقابل، ترى الصين أن انهيار المسار التفاوضي بشكل كامل سيؤدي إلى فوضى استراتيجية، قد تدفع المنطقة نحو سباق تسلح نووي، وهو سيناريو لا يخدم مصالحها الاقتصادية ولا رؤيتها للاستقرار العالمي.
هذا التباين لم يمنع وجود مساحة مشتركة، يمكن توصيفها بـ "التجميد المشروط"، حيث يتم الإبقاء على مستوى معين من التوتر دون السماح بتصعيد نوعي، كالإعلان عن قدرات نووية عسكرية أو توجيه ضربات مباشرة للمنشآت الحساسة. بمعنى آخر، القمة سعت إلى إبقاء الملف النووي في دائرة الضغط القابل للاحتواء، دون أن يتحول إلى شرارة حرب كبرى.
أما فيما يتعلق بمضيق هرمز، فقد برز كأحد أهم محاور النقاش غير المعلن؛ فالمضيق يمثل شريانًا حيويًا يمُر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، وأي اضطراب فيه سينعكس فورا على الأسواق الدولية. بالنسبة لإيران، يشكل المضيق ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة الضغوط الأمريكية؛ إذ إن التلويح بإغلاقه أو تعطيل الملاحة فيه يمنحها قدرة على التأثير تتجاوز حدودها الجغرافية.
في المقابل، تدرك الولايات المتحدة أن أي تهديد فعلي للمضيق سيستدعي ردا مباشرا، لما لذلك من تأثير على حلفائها وعلى الاقتصاد العالمي. أما الصين، فهي الأكثر حساسية تجاه هذا الملف، نظرا لاعتمادها الكبير على واردات الطاقة من المنطقة، ما يجعل استقرار المضيق أولوية قصوى في سياستها الخارجية.
القمة، من هذا المنظور، حملت رسالة واضحة مفادها أن مضيق هرمز يجب أن يبقى خارج دائرة الاشتباك المباشر، حتى في ظل استمرار التوتر. هذه الرسالة لا تعني إزالة المخاطر، لكنها تضع سقفا غير معلن للتصعيد، بحيث تبقى التهديدات ضمن إطار الضغط السياسي، لا التحول إلى واقع ميداني.
انعكاسات القمَّة على الحرب في المنطقة يمكن قراءتها عبر عدة مستويات. أولها كبح التصعيد، حيث من المتوقع أن تسهم التفاهمات في تقليل احتمالات الانزلاق إلى مواجهة شاملة، خاصة في المدى القريب. ثانيها إعادة تفعيل القنوات الدبلوماسية، ولو بشكل غير مباشر، عبر وساطات أو رسائل متبادلة بين الأطراف المعنية. ثالثها تثبيت معادلة "التصعيد المحسوب"، التي تسمح باستمرار الضغوط دون تجاوز الخطوط الحمراء الكبرى.
ومع ذلك، فإن هذه المخرجات تبقى بطبيعتها هشة ومؤقتة؛ فالمشهد الإقليمي لا تحكمه فقط إرادة القوى الكبرى، بل أيضا حسابات الفاعلين المحليين والإقليميين، الذين قد يتخذون قرارات تُغيِّر من مسار الأحداث بشكل مفاجئ. كما أن طبيعة الصراع نفسه، المرتبط بقضايا سيادية وأمنية عميقة، تجعل من الصعب احتواؤه بشكل كامل عبر تفاهمات دولية.
الخلاصة، يمكن القول إنَّ قمة ترامب وشي نجحت في رسم حدود عامة لإدارة أخطر ملفين في الأزمة، هما البرنامج النووي الإيراني ومضيق هرمز، لكنها لم تقدم حلا نهائيا لأي منهما. هي قمة لتأجيل الانفجار أكثر من كونها قمة لإنهائه، ولتثبيت توازن دقيق بين الضغط والاحتواء. وفي منطقة تعيش على إيقاع الأزمات، سيبقى هذا التوازن عرضة للاهتزاز، بانتظار ما ستسفر عنه التطورات المقبلة، سواء على طاولة السياسة أو في الميدان.
** كاتب صحفي عراقي
