الجيش الخليجي.. من الحلم الوحدوي إلى التكامل الاستراتيجي

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

حين تشتعل الأزمات في المنطقة تتكشف معها حقائق استراتيجية كانت حاضرة منذ سنوات، إلا أنَّ التحولات المتسارعة تجعلها أكثر وضوحًا وإلحاحًا. وفي مُقدمة هذه الحقائق أنَّ أمن الخليج يرتبط بوحدة الجغرافيا والمصالح والمصير، وأن استقرار المنطقة يحتاج إلى مشروع أمني خليجي قادر على مواكبة التحديات المتغيرة وبناء قدرة جماعية أكثر تماسكًا وفاعلية.

ومُنذ تأسيس مجلس التعاون الخليجي برزت فكرة بناء قوة دفاع مشتركة، وكان السلطان الراحل قابوس بن سعيد- طيب الله ثراه- من أبرز القادة الذين طرحوا هذه الرؤية بوضوح، وقراءة عميقة، انطلاقًا من إدراك مُبكِّر بأنَّ أمن أي دولة خليجية يرتبط بصورة مباشرة بأمن بقية دول المجلس. وقد عبّرت تلك الدعوة عن قراءة استراتيجية عميقة لطبيعة الخليج بوصفه منطقة محورية في التوازنات الإقليمية والدولية، بحكم موقعه الحيوي وثرواته وأهميته الاقتصادية والطاقة العالمية.

وخلال العقود الماضية أثبتت المتغيرات الإقليمية والدولية أهمية بناء قدرة خليجية مشتركة أكثر تنظيمًا وتكاملًا؛ فالقوى الكبرى تُدير علاقاتها وتحالفاتها وفق مصالحها الاستراتيجية، فيما تتبدل أولويات السياسة الدولية تبعًا للمتغيرات الاقتصادية والأمنية. وفي ظل هذه المعادلات برزت الحاجة إلى تعزيز القدرة الذاتية الخليجية؛ باعتبارها ركيزة للاستقرار وحماية المصالح المشتركة.

وفي الوقت ذاته، شهدت المنطقة تحولات عميقة أعادت تشكيل مفهوم الأمن التقليدي؛ فالتحديات الراهنة تجاوزت نطاق المواجهات العسكرية المباشرة، لتشمل الأمن السيبراني، والطائرات المسيّرة، والصواريخ بعيدة المدى، وأمن الطاقة والممرات البحرية، إضافة إلى حماية البنية التحتية الحيوية والمنظومات الرقمية. كما أن اختلاف المقاربات السياسية وتنوع الشراكات الدولية أوجد واقعًا أكثر تعقيدًا يتطلب نماذج أمنية مرنة وقابلة للتكيف مع المتغيرات.

ومن هنا تبدو فكرة "الجيش الخليجي الموحد" بحاجة إلى تطوير في الشكل وآليات التطبيق، بما ينسجم مع طبيعة المرحلة الحالية؛ فالأولوية اليوم تتجه نحو بناء منظومة دفاع خليجية متكاملة تقوم على التنسيق العملياتي، وتوحيد أنظمة الإنذار والدفاع، والتكامل التقني والاستخباراتي، ورفع كفاءة التصنيع العسكري والأمن السيبراني، إلى جانب تطوير آليات الاستجابة المشتركة للتهديدات الإقليمية والطوارئ الاستراتيجية.

ويمنح هذا النموذج دول الخليج مساحة أوسع لتعزيز أمنها الجماعي مع الحفاظ على خصوصية كل دولة وشبكة علاقاتها الدولية، كما يُرسِّخ مفهوم الشراكة المتوازنة مع الحلفاء الدوليين عبر امتلاك أدوات قوة ذاتية تعزز الاستقلال الاستراتيجي وترفع من مستوى القدرة على إدارة التحالفات بثقة وفاعلية.

لقد تغيَّر العالم من حولنا، وتبدلت طبيعة التهديدات، وتطورت أشكال النفوذ والتحالفات، إلّا أن الحقيقة الثابتة بقيت في جوهرها كما هي، وعي أن أمن الخليج مسؤولية خليجية أولًا، وبناء الحد الأدنى من القدرة الدفاعية المشتركة يمثل اليوم ضرورة استراتيجية تفرضها معادلات الحاضر واستحقاقات المستقبل.

وفي هذا السياق تظل رؤية السلطان قابوس واحدةً من الرؤى الاستراتيجية التي استبقت كثيرًا من تحولات المنطقة، لأنها انطلقت من فهم عميق لمعنى الأمن الجماعي وأهمية بناء منظومة خليجية أكثر تماسكًا وقدرة على حماية الاستقرار الإقليمي. واليوم، تتجه الواقعية السياسية نحو صياغة حديثة لهذا المشروع، تقوم على التكامل الدفاعي والتقني والتنسيق الاستراتيجي، بوصفه الخيار الأكثر انسجامًا مع طبيعة المرحلة وتحدياتها المتجددة.

الأكثر قراءة

z