سعيد المالكي
في زمنٍ أصبحت فيه الشاشة أصدق من الإنسان، أصبح لـ"السِيستِم" حُكمه الذي لا يُرد، ويبدو أنَّ بعض المؤسسات لم تعد تُدار بالبشر، بل تُدار بكائنٍ غامض يختلف اسمه من مؤسسة إلى أخرى، بينما تبقى وظيفته واحدة: "السيستم"، أو "النظام"، أو "البرنامج".
كائنٌ لا يُعرف كيف يفكر، لكن الجميع يتعامل مع قراراته وكأنها حقائق نهائية لا تقبل النقاش. لكن الجميع يتحدث عنه باحترامٍ يكاد يصل حد القداسة: السيستم رفض، أو النظام ما يسمح، أو البرنامج عاطل، أو السيستم يظهر لنا شيئا مختلفًا!
وفي كل مرة تسمع هذه العبارات، تشعر وكأنك لا تناقش موظفًا، بل تحاول استئناف حكم صادر من محكمة إلكترونية عليا.
المثير للاهتمام أن "السيستم" هذا يبدو دائمًا على حق. قد تكون لديك إيصالات، ومستندات، ورسائل بنكية، وصورًا، وأختامًا، وربما شهودًا أيضًا، لكن إن قال السيستم غير ذلك، فمرحبًا بك في عالمٍ تصبح فيه الحقيقة مجرد "شيءٍ لا يظهر في النظام".
أحدهم خُصم مبلغٌ من حسابه، ثم راجع المؤسسة؛ فقال له الموظف بكل هدوء: "النظام يُظهِر أن المبلغ لم يتم خصمه". وكأنَّ المال لم يغادر حسابه فعلًا، بل خرج في نزهة قصيرة ثم عاد خلسة دون أن يشعر.
والأعجب أن بعض الموظفين أنفسهم أصبحوا ضحايا لهذا الكائن الرقمي. تشرح لهم المشكلة، فيهزون رؤوسهم بتعاطف صادق، ثم يقولون لك بنبرة العاجز: "نعرف، لكن السيستم".
وهنا نتساءل: من الذي وضع الآخر أصلًا؟ هل النظام هو الذي صنع الإنسان؟ أم الإنسان هو الذي صنع النظام؟ وهل هذا "السيستم" كائن يفكر ويقرر من تلقاء نفسه؟ أم أنه مجرد برنامج على جهاز حاسب آلي لا يعرف ولا يعتمد إلا على ما يُغذّى به من معلومات؟
السيستم في النهاية ليس كائنًا خارقًا نزل من السماء، بل برنامج صنعه بشر، ويديره بشر، ويُغذّى بالمعلومات من خلال بشر، وبالتالي فمن الطبيعي جدًا أن يخطئ، أو يتعطل، أو حتى تُكتشف فيه عيوب تصميم لم تكن ظاهرة من البداية.
ومع ذلك، تتعامل بعض المؤسسات معه وكأنه عقلٌ أعلى لا يخطئ، بينما الإنسان- صاحب القصة والوثائق والمعاناة- يصبح الطرف الأقل مصداقية.
والمشكلة ليست في أن الأنظمة تخطئ، فكل ما يصنعه الإنسان معرّض للخطأ. المشكلة الحقيقية تبدأ حين تتصرف بعض المؤسسات وكأن الخطأ الإلكتروني قضاءٌ لا يُرد، فلا اجتهاد، ولا حلول بديلة، ولا حتى خطط طوارئ حقيقية تحفظ مصالح الناس عند تعطل النظام أو وقوع أخطاء واردة الحدوث في أي وقت وزمان؛ فحين تتعطل الأنظمة، أو تتضارب البيانات، أو تظهر أخطاء غير منطقية، يفترض أن يظهر دور الإنسان وخبرته واجتهاده، لا أن يتوقف كل شيء وكأن المؤسسة فقدت قدرتها على التفكير بمجرد توقف الشاشة؛ لأن التقنية الناجحة لا تُلغي الإنسان، بل تمنحه أدوات أفضل لخدمة الناس، خاصة في الظروف الطارئة والاستثنائية.
أما أن يبقى المُراجِع يتنقل بين الأقسام أيامًا أو أسابيع فقط لإثبات أن "السيستم أخطأ"، فذلك لا يبدو تطورًا إداريًا بقدر ما يبدو نسخة إلكترونية أكثر أناقة من البيروقراطية القديمة.
قديمًا، كان الموظف يجتهد لإيجاد حل. أما اليوم، فكثير من الحلول تنتهي عند أول عبارة: "السيستم ما يقبل".
حتى الأخطاء لم تعد أخطاء بشرية، بل أصبحت "تحديات تقنية".
إذا ضاعت معاملتك: السيستم.
إذا تأخرت الخدمة: السيستم.
إذا اختفى طلبك: السيستم.
إذا تعطلت مصالح الناس أسبوعًا كاملًا: "نعتذر، النظام مُعطَّل".
والحقيقة أن عبارة "النظام مُعطَّل" قد يتقبلها الناس أحيانًا، لأن الأعطال واردة في كل شيء.
لكن أحيانًا يتبادر إلى ذهن المراجع سؤال خطير: هل النظام معطل فعلًا، أم أن الحماس للعمل هو المعطل هذه المرة؟
لأن بعض الأعطال تبدو ذكية جدًا؛ فهي تظهر غالبًا عند المعاملات المعقدة، وتختفي بسرعة عند المعاملات السهلة!
المشكلة الحقيقية ليست فقط في تعطل النظام، بل في تعطّل الإنسان معه. فبعض المؤسسات تتعامل وكأن الموظف خُلق لخدمة النظام، لا لخدمة الناس.
يقف المراجع أمام الطاولة متوسلًا، مجتهدًا في شرح ظروفه، بينما ينظر الموظف إلى شاشة الحاسوب أكثر مما ينظر إلى وجه الإنسان نفسه، وكأنها أصدق من البشر جميعًا.
حتى إنك أحيانًا تشعر أن المؤسسة لو خُيّرت بين إرضاء المواطن وإرضاء السيستم، لاختارت سلامة السيستم النفسية.
لا أحد ضد التقنية. بل إنها من أعظم ما سهّل حياة الناس. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول التقنية من وسيلة إلى ذريعة، ومن أداة مساعدة إلى جدار بارد تختبئ خلفه المسؤولية. فالأنظمة الإلكترونية وُجدت لتختصر معاناة البشر، لا لتضيف طوابير جديدة لكن بطريقة رقمية.
المواطن اليوم لا يعيش في فراغ، بل يواجه ضغوطات الحياة اليومية من كل اتجاه؛ مسؤوليات العمل، ومتطلبات الأسرة، والالتزامات المالية، والقلق المستمر من المستقبل. ولذلك، فهو لا يحتمل مزيدًا من الضغوط التي يمكن تجنبها، ولا ينبغي أن يتحمل نتائج أخطاء آليات عمل المؤسسات، أيا كانت أسباب تلك الأخطاء، سواء كانت تقنية أو إدارية أو بشرية؛ لأن المراجع حين يأتي إلى المؤسسة، فهو لا يأتي بحثًا عن معركة جديدة، بل بحثًا عن خدمة، أو حل، أو تسهيل لأمر من أمور حياته.
ومن هنا، فإن الرقي الحقيقي في تقديم الخدمات لا يظهر فقط في استخدام الأنظمة الحديثة، بل في قدرة المؤسسة على التخفيف عن الناس، واحترام وقتهم وظروفهم، وتسهيل حصولهم على حقوقهم بأقل قدر ممكن من التعقيد والمراجعات والاستنزاف النفسي؛ فالتكنولوجيا الراقية ليست تلك التي تُرهق الإنسان أكثر؛ بل تلك التي تجعله يشعر أن حياته أصبحت أسهل، وأن المؤسسات وُجدت لخدمته لا لاختباره يوميًا.
الإنسان يأتي أولًا، لأنه هو من اخترع هذه الأنظمة والتقنيات. وحين يراجع مؤسسة، فهو لا يريد معجزة. كل ما يريده غالبًا: أن يشعر أن هناك إنسانًا أمامه، لا مجرد ناقل رسمي لما تقوله الشاشة.
