ليطمئن القلب

 

سعيد المالكي

هل تسهم المدن الذكية في تحسين حياة الإنسان، أم في إعادة ترتيب المسافات بين الناس؟

الإنسان بطبيعته لا يكتفي بمشاهدة ما يُبنى حوله، بل يحاول أن يفهم: لمن يُبنى؟ وكيف سينعكس على حياته اليومية؟ لذلك فإن التساؤل ليس تمرّدًا على الواقع، ولا تشكيكًا في النوايا، بل هو جزء طبيعي من علاقة الإنسان بوطنه ومستقبله.

ولستُ هنا خبيرًا اقتصاديًا أو محللًا ماليًا، بل مواطنًا عاديًا يكتب بحب، ويحاول أن يفهم الصورة من زاوية الإنسان البسيط الذي يعيش تفاصيل الحياة اليومية كما هي، لا كما تُعرض في التصاميم الإعلانية اللامعة.

وقد قال نبي الله إبراهيم عليه السلام، رغم قوة إيمانه، كما ورد في سورة البقرة الآية (260): ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. صدق الله العظيم؛ فالتساؤل أحيانًا لا يكون بحثًا عن الاعتراض، بل بحثًا عن الطمأنينة.

ومن هنا يأتي الحديث الذي ربما سبقني إليه كثيرون، أو تساءلوا حوله بصمت، عن مشاريع المدن الذكية والصديقة للبيئة التي يُعلن عنها بين حين وآخر، بوصفها مشاريع تحمل وعودًا كبيرة بالمستقبل والتطور. والمقصود هنا ليس الأحياء التجارية الخاصة التي ينشئها المستثمرون في أراضيهم الخاصة، بل المشاريع العمرانية العملاقة التي تُقدَّم باعتبارها جزءًا من الرؤية التنموية للدولة.

لا أحد يختلف على أن هذه المشاريع تمثل صورة حضارية حديثة، وتعكس قدرة الدولة على مواكبة التطور التقني والعمراني. فمن الجميل أن نرى مدنًا تستخدم الطاقة النظيفة، وتدير الخدمات بذكاء، وتوفر بنية تحتية متطورة، وتستقطب الاستثمارات والتقنيات الحديثة.

لكن المواطن البسيط قد يتساءل بهدوء: كيف ستتحول كل هذه التقنيات إلى راحة حقيقية في حياته اليومية؟ وهل سيشعر فعلًا بأن هذه المدن بُنيت له، أم أنه سيكتفي بمشاهدتها في الإعلانات ولوحات الطرق؟ فالمدينة الذكية قد تعرف عدد السيارات في الشارع خلال ثانية، لكن هل تعرف عدد القلقين من الإيجار آخر الشهر؟

ومن الناحية الاقتصادية، يُفترض أن توفر هذه المشاريع فرص عمل، وتنشّط قطاعات المقاولات والخدمات والتقنية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أي نوع من الوظائف ستصنعه؟ ولمن؟ فالكثير من فرص العمل المرتبطة بهذه المدن تكون مؤقتة، مرتبطة بفترة البناء والتشييد، بينما الوظائف الدائمة لاحقًا قد تتطلب تخصصات تقنية دقيقة ومهارات عالية جدًا، أو قد تظل محصورة في نطاق محدود ربما لغير المواطنين.

أما الشاب الباحث عن عمل، صاحب المؤهل المتوسط أو حتى الجامعي التقليدي، فقد يقف متسائلًا: أين موقعي أنا من كل هذا التطور؟

وهنا لا يبدو القلق مرتبطًا بفكرة التطور نفسها، بل بالخوف من أن تتحول التنمية إلى مشهد ضخم يمر أمام الناس، دون أن يمر بهم.

ثم تأتي المسألة الأكثر حساسية: تكلفة الحياة؛ إذ من المعروف أن المشاريع العملاقة ترفع أسعار الأراضي والإيجارات في محيطها، وأحيانًا تبدأ الأسعار في الارتفاع حتى قبل اكتمال المشروع، بمجرد الإعلان عنه. وهنا قد يجد المواطن نفسه أمام معادلة غريبة: مدينة أكثر ذكاءً، وحياة أكثر تكلفة.

وقد يتساءل البعض: هل المطلوب من المواطن أن يفرح بجمال المدن والتطبيقات الذكية، حتى لو أصبح عاجزًا عن السكن قربها؟

المواطن البسيط لا يحلم غالبًا بمنزل ذكي يفتح أبوابه بالبصمة، بقدر ما يحلم بمنزل آمن يستطيع امتلاكه أصلًا.

أما اجتماعيًا؛ فالأسوار لا تعزل المباني فقط، بل قد تعزل الإحساس أيضًا؛ إذ يخشى البعض أن تتحول هذه المدن، بحكم تصميمها وأسعارها وطبيعة الحياة داخلها، إلى عالم منفصل يخلق مع الوقت مسافة اجتماعية غير محسوسة بين من يعيش داخله… ومن يبقى خارجه. ليس فقط كمسافة جغرافية، بل كاختلاف في تفاصيل الحياة اليومية والإحساس والانتماء، بينما يجد الأغلبية أنفسهم يتابعون هذه المدن كما تُتابَع المنتجعات الفاخرة: بإعجاب من الخارج، لا بإحساس الانتماء إليها.

فالمجتمعات التي اعتادت تاريخيًا على التعايش بين مختلف الطبقات في حي واحد، قد تبدأ تدريجيًا في التحول إلى مساحات منفصلة اقتصاديًا واجتماعيًا؛ فئة تعيش داخل المدن الحديثة، وفئة أخرى تراقبها من بعيد، وربما تمر بجوارها كل يوم دون أن تشعر أنها تخصها.

ولا يعني هذا أن وجود هذه المشاريع خطأ، أو أن الاستثمار العمراني أمر سلبي، فلكل سوق قواعده، ولكل إنسان قدرته المادية، لكن التساؤل المشروع يبقى حاضرًا: هل تسير التنمية في اتجاه يشمل الجميع، أم في اتجاهين متوازيين لا يلتقيان؟

المدن الذكية، في النهاية، ليست غاية بحد ذاتها، بل وسيلة لتحسين حياة الإنسان. ومن الخطأ أن يُختزل مفهوم التطور في الأبراج والواجهات والإضاءة والأنظمة الرقمية، بينما تبقى الأسئلة الأساسية لدى الغالبية معلقة: ماذا عن السكن؟ وماذا عن الدخل؟ وماذا عن الأمان المعيشي؟ وماذا عن الإنسان الذي لا يريد أكثر من حياة مستقرة وكريمة؟ فربما لا تُقاس المدن الأكثر ذكاءً بعدد الشاشات والكاميرات، بل بعدد الناس الذين ينامون مطمئنين داخلها.

وتجدر الإشارة كذلك إلى أن أغلب هذه المشاريع لا تُبنى من خلال تطوير النسيج العمراني القائم وتحسين تفاصيل الحياة فيه، بل تُنشأ غالبًا كمناطق جديدة مستقلة تحيطها أسوار، ولها طابعها الخاص وأسعارها الخاصة وحتى نمط حياتها المختلف.

وهنا قد يتساءل المواطن العادي مرة أخرى: هل سيصل التطوير إليه هو أيضًا؟ أم أن أقصى ما سيحصل عليه هو طريق حديث يوصله إلى مدينة لا يستطيع العيش فيها؟

إنَّ بناء الإنسان بما يمكنه من توفير سكنه الخاص، ودخله، واستقراره النفسي، لا يقل أهمية عن بناء المدن الذكية نفسها، بل ربما يكون هو الأساس الحقيقي لأي نهضة عمرانية أو اقتصادية؛ فالإنسان ليس تفصيلًا صغيرًا داخل مشاريع التنمية، بل هو غايتها الكبرى.

وفي النهاية.. يبقى التساؤل حقًا مشروعًا، بل ربما ضرورة صحية. فكما سأل إبراهيم عليه السلام ليطمئن قلبه، يحق للمواطن اليوم أن يسأل هو أيضًا: كيف ستنعكس هذه المشاريع العملاقة على حياته؟ هل ستخفف أعباءه؟ هل ستمنحه استقرارًا أكبر؟ هل سيشعر يومًا أن هذه المدن تشبهه، أم أنها فقط تُشبه المستقبل الذي يراه من بعيد؟ فحين يطمئن قلب المواطن، يطمئن الوطن كله. وحين يشعر الإنسان أن التنمية تُبنى من أجله، لا من حوله فقط، يصبح الذكاء الحقيقي في العدالة، لا في العمران وحده.

الأكثر قراءة

z