بعض الحنين!

سارة البريكي

sara_albreiki@hotmail.com

تمُر أيامٌ علينا ونحن نستذكر كيف كُنَّا في صِغرِنا وكيف كانت آلية التواصل بيننا وبين أخواتنا عندما كُنَّا في المدرسة وكيف يحدث عندما نريد إيصال خبر ما أو رسالة ما إلى من يعيشون معنا في نفس المنزل، ربما موقف أو حدث أو ربما مشكلة تعرضنا لها، ونعد الساعات حتى يحين لنا اللقاء ببعضنا للتحدث والتشاور وتبادل الحوار وأخذ الرأي والمشورة، وهذا ما عزز فينا وفي أخلاقنا ومبادئنا قوة الفهم والإدراك والتأصل والسمو، وبادر في خلق روح إيجابية تحب العمل الجماعي والكفاح النفسي والروحي والاجتماعي.

كبرنا ونحن محاطون بنِعَمٍ لا يشعر بها أفراد الجيل الحالي؛ كون وجودهم في زمن السرعة وتوفر سبل التواصل السريع من برامج التواصل الاجتماعي (سناب شات والواتساب وتويتر والانستجرام) وغيرها من البرامج المتاحة، فمتى ما أردت التواصل في أي مكان أصبح الأمر متاحاً ولم تعد هناك أفكار تريد أن تطرحها أو توصلها ولن تتشاور مع أهلك وجها لوجه إلا بالهاتف المحمول فالوضع رغم إيجابياته الكثيرة، إلا أن سلبياته أكبر بكثير من مستوى الفهم والاستيعاب فأنت الآن لن تتحدث مع أهلك كما كان سابقا؛ بل سيكون لديك دائرة مغلقة من الأشخاص الذين تحب أن تتشاور معهم وتأخذ منهم النصائح والتوجيهات وهم المقربين منك؛ بل أكثر من عائلتك التي تعيش معها هذا وأنت طفل لم تبلغ السن القانوني فكيف بالبقية.

هنا تختلف الظروف الاجتماعية والحياتية وتتغير الأفكار بتغير البشر وطبيعة حياتهم اليومية؛ فاللقاء أصبح شبه معدوم بين الأهل وبات الواحد لا يعرف ابن أخيه إلا في الزيارات الرسمية أو التجمعات العائلية في الأعياد والمناسبات المختلفة؛ فالحال أصبح مريبًا وغريباً جدًا.

لا أتحدث عن كل العائلات، وإنما أكثرها، فطبيعة السكن والظروف المادية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها لها أسباب في التفكك الأسري وفي غياب دور الأسرة الفعلي وهذا التفكك والبعد الاجتماعي يولد عنه الكثير من أسباب الحقد والكراهية والانعزال وتوقع الأسوأ الذي ربما ليس له دليل من الصحة وإنما بسبب البُعد والغياب الطويل تولد لدى الإنسان معتقدات ليس لها أي صحة ولكن هذه طبيعة البشر الظن السيئ بالآخرين وعدم المصارحة وعدم القدرة على الحوار البناء والاكتفاء بالصمت وعدم الثقة بالنفس أولا ثم بالآخرين كلها تشكل خطرًا حقيقيًا على حياة الإنسان وعلى تكوين ذاكرته وشخصيته.

يُشدني الحنين إلى أيام المدرسة التي كانت فيها القلوب النقية وكنَّا لا نحمل إلا حقائب كتبنا ونطير بين الأزقة نحمل قلوباً بيضاء نقية لا تعرف حقدًا ولا كراهية نستمتع بالشرح لبعضنا البعض عن ما حدث وما يحدث في أوقات غيابنا عن بعض بأدق التفاصيل الصغيرة ونستمتع بالاستماع لبعضنا عكس ما نراه اليوم الكل في وادٍ والوالدان في وادٍ والأخوة في وادٍ وتمضي الحياة.

ختامًا.. أتمنى أن نعود إلى ذواتنا مهما تقدمت وتيرة الحياة ومهما انغمسنا في التكنولوجيا الحديثة وغرتنا وسائل التواصل الاجتماعي أن نعود ونتراجع ونقف وقفة صادقة مع الجيل القادم لأنه يتعلم منا الكثير ويجب أن نحد من استخدام تلك الأجهزة لكي نعيش بنقاء وبألفة وراحة نفسية لأن كثرة القيل والقال وذهب وعاد وسافر وأتى لن تفيدنا في دنيانا وديننا فعلينا الالتزام وعلينا مواكبة التطور التكنولوجي بالصورة الصحيحة وألا نتعدى على حقوق الغير وأن نحافظ على سلامة عقول أطفالنا جيداً فالحياة لا تعاد مرتين والحنين يطول إن لم يكن في حاضرنا ما يستحق أن نعيشه.

الأكثر قراءة

z