علي بن عبدالله اللواتي
في 25 أكتوبر من عام 1881م، شهدت مدينة مالقة الإسبانية ولادة أحد أبرز المؤسسين للحركة التكعيبية والكلاسيكية الفنية، والتي عُدّت لاحقا واحدة من أعظم الثورات الفنية في تاريخ العصر الحديث.
إنه بابلو بيكاسو، الفنان الإسباني الذي راج صيته عالمياً بشكل لافت لا سيما في فرنسا التي شهدت انبثاق الحركة التكعيبية في عاصمتها باعتبارها إحدى ركائز العمارة الحديثة في أوروبا مطلع القرن العشرين.
وُلد بيكاسو لعائلة فنية، وكان والده رساما وأستاذا في كلية الفنون، وأظهر الفتى موهبة غير عادية في الرسم منذ طفولته، إذ كان يرسم مثل الكبار، وأول لوحة رسمها كانت لأخته.
في عام 1904 انتقل إلى باريس، فلقد كانت حينها مركزا للفن الأوربي، وتعّرف على فنانين كبار، وتطورت لغته الفنية بسرعة، وكان شخصية مؤثرة سياسيا واجتماعيا، كما إنه انضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي في آخر حياته.
اشتهر بابلو باكتشافه تنوعا هائلا من الأساليب والموضوعات المستمدة من التقاليد الفنية العالمية، غير أن هذا التركيز على تنّوع أعماله، غالبا ما يُغفل الوحدة الجوهرية لفنه.
المهتمون بحياته الفنية، أقاموا له معرضا دائما في منزله الموجود في مالقة مسقط رأسه، حيث يمكن للزائر أن يشهد المسارات الإبداعية التي استخدمها الفنان الكبير لنسج أعماله على نسق من الوحدة والتناغم بينها بوصفها كلٌ متكامل، ويضم المعرض خمسة أقسام محورية تقدم دراسات مهمة في مسيرة بيكاسو الفنية.
مراحل أسلوبه الفني
أولًا: مرحلة تصميم اللوحات الزرقاء بين عامي 1901 – 1904
هذه اللوحات كانت سمتها الغالبة عليها هي الفقر والوحدة، والحزن والظُلمة.
ثانيًا: مرحلة تصميم اللوحات الوردية بين عامي 1904 – و1906
لوحات هذه المرحلة تغلب عليها الألوان البرتقالية والوردية، وأكثرها تتناول السيرك الأوروبي وأنماط وجوه المهجرين.
ثالثًا: مرحلة تصميم اللوحات التكعيبية بين عامي 1907-1914
وهذه اللوحات تُعد فتيل ثورة فنية في القرن العشرين، فمع زميله جورج براك، بدأت مسيرة فن يقوم بتجزئة الأشكال لكي تُرسم من زوايا متعددة في وقت واحد.
تُعدَّ لوحة غيرنيكا Guernica من أهم أعماله، رسمها عام 1937 احتجاجا على قصف مدينة غيرنيكا الإسبانية خلال الحرب الأهلية، والتي تعتبر إحدى أهم لوحاته في تاريخ الفن الحديث، بل رمزا عالميا ضد الحروب ووحشتيها، حيث تعرضت هذه القرية لقصف جوي عنيف بطائرات سلاح الجو الألماني النازي.
وبناءً على طلب من الجنرال الإسباني فرانثيسكو فرانكو، دُمرت البلدة بالكامل، ومات المئات من المدنيين، وعندما وصلت أخبار القصف بيكاسو في باريس، صدمه حجم الدمار والقتل في قريته، فقرر أن يُخلّد هذه الوحشية النازية بلوحة أبدية، وهي متاحة للمشاهدة وتعرض في معرض باريس الدولي.
لقد أحال بيكاسو قرية غيرنيكا من أن تكون حدثا مأساويا إلى صرخة بصرية بالفن التكعيبي تلعب الألوان القاتمة والحزينة كالأسود والرمادي والأبيض فيها الدور الأهم، عاكسة قسوة الحرب والقتل الوحشي الفاقد للضمير، لتصبح اللوحة أيقونة عالمية ضد الحروب والعنف، وكانت هذه اللوحة تُعرض حول العالم، لجمع التبرعات لضحايا الحرب الإسبانية، وقد طلب بيكاسو عدم أعادتها لبلدته حتى سقوط حكم فرانكو ووفاته، لضمان عودة الديمقراطية، وهي موجودة في متحف الملكة صوفيا في مدريد.
تميزت ريشة بيكاسو بغزارة الإنتاج، حيث خلد الفن له أكثر من 50 ألف عمل موزع بين لوحات ورسوم ومنحوتات وسيراميك، مع قدرة هائلة في تغيير أسلوب الرسم، بخلاف غيره من الفنانين الذين أبدعوا في تقديم أعمال ذات نسق واحد.
