خالد بن سالم الغساني
ما يحدث في لبنان هو عدوان صريح، يُنفّذ بثقة عالية لأن فاعله يعرف سلفًا أنه محمي، ومحصَّن إلى حدٍّ كبير من المحاسبة. دويلة الكيان المحتل تقصف لبنان لأنها تستطيع، لا لأنها مضطرة. وتفعل ذلك لأنَّ الولايات المتحدة لا تكتفي بحمايتها، بل تشاركها إلى حد بعيد الذهنية ذاتها، ذهنية القوة المتغطرسة التي ترى المنطقة بلا حقوق، وبلا كرامة، وبلا صوت مسموع.
وتأتي الغارات الأخيرة على لبنان، وما رافقها من تهديدات وتحذيرات إخلاء وسقوط ضحايا، لتؤكد أنَّ هذا العدوان أصبح سياسة مستمرة تُدار تحت غطاء أمريكي مكشوف.
الغارات الإسرائيلية الجديدة، ليست استثناءً، إنها أقرب إلى أن تكون امتدادًا لنمط متكرر. هذا كيان قام على العدوان، ويتغذى عليه، ويستمر به. يخرق الأجواء، يضرب البنية التحتية، يرعب المدنيين، ثم يخرج علينا بخطاب ممجوج عن "الدفاع عن النفس". أي دفاع هذا الذي يُمارس بالطائرات والصواريخ فوق أراضي الآخرين؟ وأي أمن يُبنى على أنقاض القرى والبيوت؟ ثم ما هو الأمن الذي ينشده الباغي المحتل؟ إنها لغة القوة العارية التي لا ترى في القانون الدولي سوى ورقة يُمكن تمزيقها متى تعارضت مع مصالحها.
لكن الوقاحة لا تقف عند الفعل الإسرائيلي. فالأخطر، والأكثر فجاجة، هو الخطاب الأمريكي الذي لم يعد يخجل من نفسه، ومزق كثيرًا من براقعه. تصريحات مايك هاكابي السفير الأمريكي لدى إسرائيل، حول الشرق الأوسط، بقدر ما هي كلام مستفز، هي أكثر من ذلك؛ إنها إهانة علنية لشعوب المنطقة كلها. حين يتحدث مسؤول أمريكي بهذه اللغة المتعالية، فهو لا يُعبّر عن رأيه الشخصي فحسب، بل عن عقل سياسي يرى الشرق الأوسط ساحة نفوذ، وشعوبه تفاصيل هامشية، ودماء أبنائه كلفة مقبولة في سبيل الاستقرار الذي يفهمونه. إنه أمن واستقرار الكيان المحتل.
هذا الخطاب هو الوجه الآخر للقصف. الطائرات الإسرائيلية تقصف من الجو، والدبلوماسية الأمريكية تقصف بالكلمات. الاثنتان تنطلقان من منطق متقاطع: نحن نقرر، وأنتم تتحملون النتائج.
نعم، الولايات المتحدة لا تؤدي دور الوسيط، ولا الراعي، ولا حتى الشاهد. إنها شريك فعلي. تمنح إسرائيل الغطاء السياسي، وتعطّل أي محاسبة، وتفرغ أي إدانة من معناها، ثم تطلب من الضحايا ضبط النفس.
في هذا المناخ، تصبح الغارات على لبنان رسالة مركّبة. رسالة تقول إن السيادة اللبنانية مستباحة، وإن الدولة الضعيفة لا تُحمى بالقانون؛ بل تُترك فريسة. ورسالة أخرى تقول للمنطقة كلها إن زمن الاحترام المتبادل غير حاضر في القاموس الصهيو-أمريكي. ما يوجد فقط هو ميزان قوة، ومن لا يملك القوة يُطلب منه أن يصمت أو يدفع الثمن.
لبنان الرسمي يكتفي بالإدانة، لأن أدواته محدودة، ولأنه مغلوب على أمره، وخاضع للوصايا وللحسابات، ولأن النظام الدولي الذي يفترض أن يحميه قرر أن يتغاضى. هذا العجز هو نتيجة سنوات طويلة من التواطؤ الدولي مع الاحتلال، ومن تحويل القرارات الأممية إلى حبر على ورق. إسرائيل تدرك ذلك جيدًا، ولذلك تضرب وهي مطمئنة إلى أن أقصى ما قد تواجهه هو بيان قلق لا يغيّر شيئًا على الأرض.
في المقابل، يتعامل حزب الله مع هذه الغارات بعقل بارد نسبيًا. إنه يدرك أن إسرائيل لا تبحث فقط عن توجيه ضربات، بل عن جرّ المنطقة إلى توقيت يخدمها. لذلك، فإن الرد أو عدمه ليس مسألة انفعال، بل قرار سياسي وعسكري محسوب، مرتبط بالصورة الأوسع، لا بلحظة الغضب. هذا الفارق بين من يقصف بثقة عالية، ومن يحاول حساب كل خطوة، هو ما تحاول إسرائيل كسره عبر الاستفزاز المستمر.
ما يجب قوله بوضوح، ودون مواربة، هو أن الحديث الغربي المتكرر عن النظام الدولي والقيم، سقط ويسقط تمامًا حين نصل إلى إسرائيل. هناك قانون للجميع، واستثناء شبه دائم لهذا الكيان. هناك حقوق إنسان تُرفع كشعار، ثم تُسحق تحت جنازير الدبابات حين يتعلق الأمر بالفلسطيني أو اللبناني، أو العربي على وجه العموم. هذه الازدواجية هي سياسة ثابتة ومقصودة، وممارسة واعية.
الغطرسة الصهيونية لا يمكن فصلها عن الغطرسة الأمريكية. الاثنتان تتغذيان من بعضهما البعض. إسرائيل تضرب لأنها تعلم أن واشنطن ستحميها، وواشنطن تحمي لأنها ترى في إسرائيل أداة متقدمة لفرض إرادتها في المنطقة. وبين المطرقة والسندان، تُترك شعوب المنطقة لتواجه القصف، والتهديد، والإهانة.
ما يجري اليوم، علاوة على كونه تصعيد عسكري، هو كشف فاضح لطبيعة العلاقة بين القوة والعدالة في هذا العالم. عالم يقول لك إن القانون مهم، ثم يطلب منك أن تنساه حين تكون الضحية، ويستحضره فقط حين تكون ضعيفًا. وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال الحقيقي: إلى متى سيبقى هذا الصمت الدولي شريكًا في العدوان؟ وإلى متى ستُدار المنطقة بعقلية الغطرسة نفسها، وكأن التاريخ لم يعلّم أحدًا شيئًا؟
