حمود بن علي الطوقي
لم تعد المدن الحديثة تُقاس فقط بحجم عمرانها أو اتساع طرقها، إنما بقدرتها على صناعة حياة أكثر جودة للإنسان، وبما تمتلكه من رؤية متوازنة تجمع بين التنمية والاستدامة والهوية. ومن هنا يأتي مخطط “مسقط الكبرى” بوصفه أحد أبرز التحولات الحضرية التي تشهدها سلطنة عُمان في ظل النهضة المتجددة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- والذي جعل من التخطيط للمستقبل جزءًا أصيلًا من مشروع عُمان الحديثة.
ومنذ أن أطلقت وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، الاستراتيجية العمرانية الوطنية، بدأ واضحًا أن الوزارة تتحرك وفق رؤية متجددة لا تعرف التوقف عند حدود التخطيط التقليدي، بل تواصل العمل بوتيرة متسارعة لمواكبة التحولات التنموية وصناعة مدن المستقبل. وخلال السنوات الماضية، حرصت الوزارة عبر الملتقيات الإعلامية والمؤتمرات والفعاليات المتخصصة على طرح مرئياتها المتجددة وأفكارها التطويرية التي تستهدف الارتقاء بالمشهد الحضري في سلطنة عُمان، وصولًا إلى إطلاق مخطط “مسقط الكبرى”، هذه المدينة التي لا تُبنى فقط بالحجر والإسمنت، إنما تُبنى برؤية وطنية تستشرف المستقبل، وتضع الإنسان وجودة حياته في مقدمة الأولويات.
ولأننا كصحفيين وإعلاميين عايشنا التحولات التي شهدتها العاصمة خلال السنوات الماضية، فإننا ندرك أن ما يحدث اليوم ليس مجرد مشاريع متفرقة، وإنما مسار متكامل بدأ يتشكل بهدوء وثبات منذ إطلاق الاستراتيجية العمرانية الوطنية؛ فقد شهدنا عن قرب كيف تحولت وزارة الإسكان والتخطيط العمراني من جهة تُعنى بالتخطيط التقليدي إلى مؤسسة تقود فكرًا حضريًا حديثًا، يربط بين التنمية والاقتصاد وجودة الحياة والاستدامة، ويعمل على صناعة مدن أكثر قدرة على مواكبة المستقبل.
وفي قلب هذا التحول يبرز الدور المؤثِّر الذي يقوده معالي الدكتور خلفان بن سعيد الشعيلي وزير الإسكان والتخطيط العمراني، والذي استطاع خلال السنوات الماضية أن يقود مرحلة تغيير نوعية في قطاع الإسكان والتخطيط العمراني، عبر تبني رؤى حديثة ومشاريع استراتيجية أعادت رسم ملامح التنمية الحضرية في سلطنة عُمان، ورسخت مفهوم التخطيط القائم على الاستدامة وجودة الحياة وصناعة المدن المستقبلية، بما يتواءم مع مستهدفات رؤية "عُمان 2040".
وجاء إطلاق مخطط "مسقط الكبرى" تتويجًا لهذا الحراك التخطيطي المتواصل؛ حيث دُشّن المشروع تحت رعاية صاحب السمو السيد بلعرب بن هيثم آل سعيد وزير الدولة ومحافظ مسقط، وبمباركة سامية من حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في رسالة تؤكد أن مستقبل العاصمة يحظى باهتمام القيادة العليا، وأن مسقط مقبلة على مرحلة جديدة من التطور الحضري المستدام.
وقد ظهر لنا جليًا مفهوم "الفريق الحكومي الواحد" منذ انطلاق الحملة الإعلامية لمخطط مسقط الكبرى وحتى مرحلة التدشين وما بعدها؛ حيث شهدنا تكاتفًا وتعاونًا لافتًا بين المؤسسات الحكومية والخاصة، ورسائل إعلامية موحدة تعكس وضوح الرؤية وتكامل الجهود. وفي يوم التدشين، لم تكن وزارة الإسكان والتخطيط العمراني وحدها في المشهد، بل كان الحضور المؤسسي الواسع شاهدًا على أن العمل بروح الفريق هو أساس نجاح المشاريع الوطنية الكبرى.
لقد ظلّت مسقط، عبر عقود طويلة، مدينة تحتفظ بخصوصيتها الفريدة؛ مدينة تجمع بين البحر والجبل، وبين التاريخ والحداثة، وبين الهدوء والجمال. ومع النمو السكاني والتوسع الاقتصادي، أصبح من الضروري إعادة التفكير في شكل المدينة ومستقبلها، ليس فقط لاستيعاب التوسع العمراني، إنما لبناء نموذج حضري حديث يحافظ على روح المكان ويعزز جودة الحياة.
ومن هنا، تبدو "مسقط الكبرى" مشروعًا يتجاوز فكرة التخطيط التقليدي، ليؤسس لمدينة أكثر ذكاءً واستدامة، تقوم على التكامل بين المراكز الحضرية، وربطها بشبكات حديثة للنقل والبنية الأساسية، وتوفير بيئات سكنية متوازنة ومساحات خضراء ومرافق خدمية متطورة، بما ينعكس بشكل مباشر على حياة الإنسان. كما يحمل المخطط أبعادًا اقتصادية واستثمارية مهمة، من خلال فتح آفاق جديدة للاستثمار والسياحة والاقتصاد الحضري، وتعزيز مكانة مسقط كوجهة قادرة على المنافسة الإقليمية والعالمية. وفي الوقت ذاته، يحرص المخطط على الحفاظ على الهوية العُمانية والطابع المعماري الذي ميّز العاصمة لعقود، بحيث يبقى التطوير متناغمًا مع روح المكان وتاريخه.
ولعل أجمل ما في "مسقط الكبرى" أنها لا تقدم مدينة إسمنتية باردة، إنما رؤية لمدينة إنسانية تنمو بالإنسان ولأجل الإنسان؛ مدينة يمكن للناس أن يعيشوا فيها براحة أكبر، وأن يجدوا فيها فضاءات للعمل والثقافة والترفيه والحياة.
وفي عالم تتنافس فيه المدن على جذب الاستثمار والعقول والسياحة، تبدو مسقط اليوم أمام فرصة تاريخية لترسيخ حضورها كواحدة من أكثر المدن العربية قدرة على الجمع بين الأصالة والحداثة، وبين التخطيط الذكي والطبيعة الخلابة.
"تنمو، تزهر، وتبقى مسقط مدهشة".. ليست مجرد عبارة ترويجية، إنما اختصار لطموح وطن يرى في المدينة مساحة للأمل، وفي التخطيط أداة لصناعة مستقبل أكثر جودة واستدامة للأجيال القادمة.
