عُمان تكشف مأزق القوة

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

مقال مارك سيفرز، السفير الأمريكي الأسبق لدى سلطنة عُمان، والذي أثار الكثير من التناول على وسائل التواصل الاجتماعي، في رأيي، وكما عبَّر الكثيرون، هو تعبير متأخر عن ارتباكٍ أعمق تعيشه واشنطن في فهمها لدور سلطنة عُمان؛ فالمشكلة، في جوهرها، ليست أن مسقط غيّرت نهجها، وإنما هو أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تحتمل وسيطًا لا يعمل وفق شروطها.

لطالما احتفت واشنطن بالدور العُماني حين كان يفتح قنوات خلفية مع إيران وحين كان يخفف التوتر دون أن يحرج الرواية الأمريكية. لكن هذا الاحتفاء تحوّل فجأة إلى نقدٍ لاذع، فقط لأن عُمان لم تُساير منطق التصعيد، ولم تُحمّل طرفًا واحدًا مسؤولية أزمةٍ معقدة صنعتها حسابات القوة قبل حسابات الحكمة.

وفي هذه النقطة تمامًا، تنكشف المفارقة، فالوسيط، في المنظور الأمريكي، مقبول ما دام ينقل الرسائل، لكنه يصبح منحازًا عندما يمتلك رأيًا، أو يرفض أن يكون جزءًا من مسارٍ يقود إلى الحرب. فالحياد وفق هذا المنطق الذي تبتغيه واشنطن، ليس استقلالًا، بقدر ما هو وظيفة.

لكن عُمان، ماضيًا وحاضرًا، وعبر كل تاريخها الطويل، لم تكن وسيطًا وظيفيًا، إنها فاعل سيادي. سياستها لم تُبنَ على إرضاء العواصم الكبرى، بل على مبدأ ثابت، تتمثل في تقليل الخسائر، وتوسيع مساحات التفاهم، وحماية الجغرافيا من التحول إلى ساحة صراع. وهذا هو بالضبط، ما يجعلها اليوم مزعجة لمن اعتادوا على وسطاء يُجيدون الصمت أكثر من قول الحقيقة.

إن اتهام مسقط بأنها أصبحت صوتًا لإيران، يكشف بوضوح ضيقًا أمريكيًا من أي صوت لا ينسجم مع خطابها. فالتعامل مع طهران كجارٍ جغرافي وشريكٍ في معادلة الأمن الإقليمي، ضرورة استراتيجية تفرضها حقائق المكان، لا رغبات الخارج.

والأهم من ذلك، أن الهجوم على الدبلوماسية العُمانية يعكس تحوّلًا خطيرًا في العقل السياسي الأمريكي، من البحث عن حلول، إلى البحث عن اصطفافات. ومن إدارة التوازنات، إلى فرضها بالقوة. وهنا تحديدًا يظهر مأزق واشنطن؛ فهي تريد وسطاء، لكنها لا تقبل إلا بمن يكرّسون سرديتها.

في المقابل، تقدم عُمان نموذجًا مختلفًا؛ فهي ليست سويسرا الشرق كما يُراد لها أن تكون، حيادًا باردًا بلا موقف، إنها “ضمير الخليج” الذي يرفض أن يُختزل السلام في حسابات النفوذ، أو أن تُدار الأزمات بمنطق الغلبة. فهي صديقة للجميع، نعم، لكنها ليست تابعة لأحد.

إنَّ ما يُزعج واشنطن ليس تراجع دور عُمان، بل ثباته. ليس صمتها، بل وضوحها. وليس حيادها، بل استقلاله. ولهذا، فإنَّ النقد الموجّه لمسقط لا ينبغي قراءته كتشخيصٍ لخللٍ عُماني، بل كإقرارٍ غير مباشر بأنَّ هناك من لا يزال يملك قراره في منطقةٍ اعتاد البعض أن تُدار بالنيابة.

وهكذا تبدو عُمان استثناءً لافتًا، تقول “لا” حين يجب، وتفتح الأبواب حين تُغلق، وتُذكّر الجميع بأن الوساطة ليست خدمة، وإنما موقف.

الأكثر قراءة

z