هل أصبحت الترقية بلا أثر؟

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

ليست المشكلة في أن قوانين الحماية الاجتماعية تسعى إلى حماية الاستدامة المالية؛ فذلك هدفٌ لا يختلف عليه أحد. لكن الإشكال الحقيقي يبدأ حين يشعر الموظف أن كلفة هذه الاستدامة تنعكس عليه بصورةٍ مباشرة، وأن سنواته اللاحقة في العمل لم تعد تحمل الأثر نفسه الذي كان يتوقعه قبل صدور القانون.

وكثيرٌ من موظفي القطاع العام لم يصدمهم مبدأ الإصلاح بقدر ما صدمتهم الطريقة التي انعكس بها على مستقبلهم التقاعدي؛ إذ اكتشف بعضهم- بعد سنواتٍ من الخدمة والترقيات والاقتطاعات المتزايدة- أن الدرجة المالية التي سيُبنى عليها جزءٌ كبير من معاشه التقاعدي بقيت مرتبطة عمليًا بما كان عليه في 31 ديسمبر 2023، وكأن ما بعد هذا التاريخ لم يعد يملك الأثر ذاته في احتساب المعاش.

وهنا يظهر السؤال الذي يتردد اليوم بين كثيرٍ من الموظفين أكثر من أي وقتٍ مضى: ما قيمة الترقية إذا كان أثرها في المستقبل التقاعدي محدودًا؟ ولماذا يستمر اقتطاع نسبة 8% من الراتب المتزايد إذا كان هذا الارتفاع لا ينعكس بالصورة ذاتها على المعاش عند التقاعد؟

فالموظف الذي انتظر ترقيته سنواتٍ طويلة، وتحمل أعباء العمل على أمل أن ينعكس ذلك يومًا على مستقبله التقاعدي، كان يظن أن كل درجةٍ مالية جديدة تقرّبه من معاشٍ أكثر استقرارًا. لكنه فوجئ بأن القانون قسّم سنوات الخدمة إلى مرحلتين: ما قبل 2024 وما بعدها. ونتيجة لذلك، بقي الجزء الأكبر من سنوات خدمته السابقة محسوبًا على راتبٍ مضى، حتى وإن ارتفع راتبه لاحقًا عبر ترقياتٍ متتابعة.

والمفارقة الأكثر حساسية في هذه المسألة أن الموظف لا يعترض على دفع اشتراكاته، ولا يرفض تحمّل نصيبه في حماية استدامة النظام؛ لكنه يتساءل عن عدالة أن تُحتسب الاقتطاعات اليوم على أساس راتبه الحالي، بينما يظل انعكاس هذا الراتب على معاشه المستقبلي محدودًا. فحين ترتفع الالتزامات مباشرة، بينما يتراجع أثرها عند التقاعد، يصبح السؤال مشروعًا: هل يدفع الموظف ثمن الاستدامة أكثر مما يشعر بعائدها؟

ولعل ما زاد الجدل أن بعض الموظفين الذين أمضوا ما يقارب عقدين أو أكثر في الخدمة قبل تطبيق النظام، قد يجدون أنفسهم- عند التقاعد- أقل استفادة من ترقياتهم مقارنة بموظفٍ التحق بالنظام بعد 2024، رغم أن الأول أمضى سنواتٍ أطول في حياته الوظيفية. وهنا لا يعود النقاش ماليًا فقط؛ بل يتحول إلى سؤالٍ أكثر حساسية يتعلق بالعدالة بين الأجيال الوظيفية داخل النظام الواحد.

والمشكلة لا تقف عند الأرقام وحدها؛ بل تمتد إلى ما يتركه هذا الإحساس لدى الموظف من أثرٍ نفسي ومعنوي. فحين يفقد الإنسان قناعته بأن جهده الإضافي سينعكس فعلًا على مستقبله، تتغير نظرته إلى الترقية، وإلى الحافز، وحتى إلى جدوى الاستمرار بالروح ذاتها. لأن الموظف لا ينتظر من الترقية مجرد لقبٍ وظيفي؛ بل ينتظر منها أثرًا يمنحه قدرًا أكبر من الطمأنينة حين يتقدّم به العمر.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن صناديق التقاعد في مختلف دول العالم تواجه تحديات معقّدة ترتبط بارتفاع متوسط الأعمار، وتزايد الالتزامات المالية، والحاجة إلى الحفاظ على الاستدامة لسنوات طويلة. ولذلك، فإن أي معالجة مسؤولة يجب أن تحافظ على التوازن بين حماية الصندوق وضمان ألّا تتحول الأعباء إلى مشكلة تتحملها الأجيال القادمة.

لكن الحفاظ على الاستدامة لا يعني أن يشعر الموظف بأن القانون أغلق الباب أمام أثر سنواته القادمة. فهناك فارق كبير بين إصلاحٍ يُشعر الناس بأنه يحمي المستقبل معهم، وإصلاحٍ يشعرهم بأن المستقبل يُعاد تشكيله على حسابهم.

ومن هنا، قد لا تكون الحاجة اليوم إلى تغيير فلسفة القانون بالكامل، بقدر ما تكون إلى مراجعة بعض آليات التطبيق بصورة أكثر مرونة وعدالة. كأن يُعاد النظر في أثر الترقيات اللاحقة على المعاش، أو تعزيز وزن سنوات الخدمة بعد 2024 بشكلٍ أكثر وضوحًا، أو إيجاد معالجات انتقالية أكثر توازنًا لمن أمضوا سنواتٍ طويلة في الخدمة قبل تطبيق النظام.

فالأنظمة لا تُقاس فقط بقدرتها على ضبط الأرقام؛ بل أيضًا بقدرتها على ترسيخ شعور الناس بالعدالة والإنصاف. لأن الموظف يستطيع أن يتقبّل القرارات الصعبة، لكنه يجد صعوبة في تقبّل إحساسه بأن سنواته الأخيرة في العمل لم تعد تحمل الأثر ذاته الذي كانت تحمله سنواته الأولى.

وفي النهاية، لا يبحث الموظف عن امتيازٍ استثنائي، ولا عن معاملةٍ خاصة؛ بل عن معادلة يفهمها ويطمئن إلى عدالتها. فالقانون حين يطلب من الموظف أن يستمر في العطاء والاشتراك والالتزام، ينبغي أن يمنحه في المقابل شعورًا واضحًا بأن سنواته القادمة ما زالت ذات أثر، وأن ترقيته ليست مجرد رقمٍ إضافي في كشف الراتب.

لأن أخطر ما قد تخلّفه مثل هذه الإشكالات ليس انخفاض المعاش وحده؛ بل تراجع الإحساس بقيمة الجهد ومعنى الاستمرار. وحين تصل للموظف رسالةٌ مفادها أن ترقيته لا تغيّر كثيرًا في مستقبله، فإن السؤال لا يعود عن الدرجة المالية فقط؛ بل عمّا تبقّى من جدوى عمره الوظيفي.

الأكثر قراءة

z