محمد عمار عيسى **
مُشكلتنا نحن البشر أننا تطورنا في كل شيء مادي ملموس؛ في المسكن، والمأكل، والمشرب، والملبس. صنعنا التكنولوجيا المعقدة، واقتحمنا الفضاء، وصعدنا بخطى واثقة إلى القمر. لكننا، في المقابل، سجلنا تراجعًا مخيفًا في الإنسانية، والنبل، والرأفة.
المفارقة الصادمة أننا صرنا نعيش في عصر ناطحات السحاب والذكاء الاصطناعي، بينما لا تزال قلوب بعضنا تحمل الحقد، والبغضاء، والكره، بذات البدائية والظلمة منذ بدء الخليقة وحتى اليوم. إننا نكرر المأساة ذاتها؛ مأساة قابيل وهابيل، تلك الجريمة الأولى التي ولدت من رحم الغيرة والأنانية والكراهية في فجر البشرية.
واليوم، وبعد آلاف السنين، لم يتغير المشهد كثيرًا، بل كل ما تغير هو الأدوات فقط؛ قابيل القديم قتل أخاه بـ"حجر"، وقابيل المعاصر يقتل أخاه بـ"زر تكنولوجي" يضغط عليه من خلف الشاشات أو عبر التقنيات الحديثة. الأحقاد هي ذاتها، والنفوس المظلمة لم تتطور، بل أصبحت أكثر قدرة على الفتك والانتشار والتدمير. نسير في شوارع المدن الحديثة بأحدث الملابس، لكن أرواحنا تبدو عارية من أبسط مشاعر الرحمة.
إن هذا التناقض الصارخ يضعنا أمام سؤال أخلاقي مرعب: فما فائدة التقدم المادي إذا لم يكن هناك تقدم روحي؟! ما جدوى أن نصل إلى أبعد كوكب في السماء، وعقولنا ما زالت مكبلة بأحقاد العصور الحجرية؟ التقدم المادي الحقيقي يفقد معناه وقيمته إذا عجز الإنسان عن عبور المسافة القصيرة المؤدية إلى قلب أخيه الإنسان، وعجز عن مد يد السلام والرأفة لمن حوله. ما فائدة أن نغزو الكواكب، وعجزنا كبشر عن غزو أنفسنا وتطهيرها من الشرور؟
إن هذا الخلل الحضاري الرهيب هو مأساة عصرنا الكبرى؛ فالرفاهية المادية بلا روح هي مجرد كفن براق يغطي جثة إنسانيتنا الميتة. إننا لا نسير نحو التطور كما نتوهم، بل نسير بسرعة الصاروخ نحو ارتداد همجي مرعب، نقود فيه طائرات القرن الحادي والعشرين بنفوس "قابيلية" جاهلية!
إن غزو الفضاء والوصول إلى القمر لم يكن دليلًا على عظمة الإنسان، بل كان إدانة صارخة له؛ لأنه أثبت قدرته على ترويض المستحيل في السماء، وعجزه الفاضح عن ترويض الشرور القابعة في صدره.
إنها صرخة أخيرة لإنقاذ الروح قبل أن يتحول هذا الكوكب إلى غابة موحشة، تفترس فيها التكنولوجيا ما تبقى من إنسانيتنا، فنصبح مجرد آلات باردة تتحكم بها أحقاد صماء، فإما أن نستيقظ ونعيد للقلب والرحمة سيادتهما، وإما أن ننتظر إشارة النهاية لحضارة ذكية جدًا في صناعة الأدوات.. وغبية جدًا في الحفاظ على بني البشر!
** كاتب سوري
