الخليج ليس ساحة لألعاب خبيثة

 

 

 

حمد الحضرمي **

ليس الخليج مجرد خريطةٍ من ست دول، بل قلبٌ واحد ينبض بتاريخٍ مشترك، وجغرافيا متقاربة، وأرواحٍ متجانسة تجمعها الأخوة وتوحدها القيم. من سواحل عُمان الهادئة، إلى فخامة أبوظبي الراقية، إلى عاصمة الطموح الرياض، إلى دفء الكويت، إلى أناقة الدوحة، إلى أصالة المنامة.. يمتد الخليج لوحةً لا ترسمها الطبيعة وحدها، بل يرسمها الإنسان الخليجي بأخلاقه، ونخوته، وكرمه، وصدق انتمائه. هنا لا تُقاس الأوطان فقط بما تملك، بل بما تُعطي، ولا يُعرف الناس بمظاهرهم، بل بمروءتهم.

في الخليج جمال الأرض والإنسان، تمتزج الصحراء بالبحر، والتاريخ بالحاضر، والبساطة بالفخامة. مدنٌ تنبض بالحياة، وسياحةٌ تتنامى، واقتصاداتٌ تصعد، وشعوبٌ تحمل في داخلها إرثًا من القيم الأصيلة، الكرم الذي لا يُطلب، الشهامة التي لا تُشترى، الوفاء الذي لا يتغير، هذه ليست شعارات، بل حياة يعيش أهل الخليج.

لكن، هناك من يحاول العبث بهذه الصورة؟ وسط هذا الجمال، تظهر فئة، لا تبني، بل تُشكك، لا تُصلح، بل تُحرّض، لا تُحب، بل تزرع الشقاق، أصواتٌ نشاز، تحاول أن تُفسد العلاقة بين الشعوب الخليجية، تُشعل الفتن بالكلمة، وتُغذي الكراهية بالشائعة، وتُحوّل الاختلاف إلى صراع. هؤلاء لا يمثلون الخليج، بل يمثلون خطرًا عليه. الخطر الحقيقي ليس في الخارج، بل في الداخل إذا صمتنا، وليست المشكلة في وجود هذه الفئة، بل في السكوت عنها، أو التهاون معها.

الكلمة المسمومة إذا تُركت انتشرت، والشائعة إذا لم تُواجه تحولت إلى قناعة، والفتنة إذا لم تُطفأ أحرقت الجميع. الخليج لم يُبنَ بالصدفة، بل بجهود رجالٍ آمنوا أن الوحدة قوة، وأن التفرّق ضعف. إن مجلس التعاون لدول الخليج العربية فكرة لم تولد عبثًا، فحين تأسس هذا الكيان، لم يكن مجرد اتفاق سياسي، بل كان رؤية عميقة لبناء بيتٍ خليجي واحد، تجتمع فيه المصالح، وتتقارب فيه القلوب، وتتوحد فيه الصفوف. ما بناه الآباء المؤسسون لم يكن هشًا، لكن العبث به يبدأ دائمًا من كلمة، ومن فكرة، ومن صمت.

إن المسؤولية اليوم ليست على القادة فقط، بل على كل مواطن خليجي، أن يرفض خطاب الكراهية، أن لا يكون أداة لنشر الفتنة، أن يُدرك أن ما يجمعنا أكبر مما يفرقنا، والخليج ليس حدودًا، بل وعي ومسؤولية. الخليج ليس ساحةً لتصفية الحسابات، ولا منصةً لبث السموم، ولا ميدانًا لأصحاب الأجندات الضيقة. الخليج بيتٌ كبير، سقفه القادة، وأساسه الشعوب، وجدرانه التاريخ، وروحه المحبة، فإن سقط جدار، تأذى الجميع، وإن اشتعلت فتنة، احترق الكل.

لهذا نقولها بوضوح، يجب ألا نسمح بهدم ما بناه الآباء، ولا أن تُكسر وحدة صمدت أمام التحديات، ولا أن تُسرق هوية قائمة على الأخلاق والوفاء. الخليج سيبقى بشعوبه، بقادته، بوحدته، يدًا واحدة لا تُكسر.

لا تفتحوا الأبواب لكل من يقتات على بثّ الشقاق، ويحوّل الكلمة إلى أداة هدم، ويستبدل القيم بالمصالح الضيقة. هؤلاء لا يصنعون رأيًا، بل يلوّثون الوعي، ويحاولون تشويه صورة الخليج المتآلف الذي تربطه أخوّةٌ ضاربة في الجذور، ومحبةٌ صادقة، وإرثٌ من الأصالة والعراقة. إن مسؤوليتنا أن نُحسن التمييز، وأن نُغلق الطريق أمام خطاب الكراهية، وأن نثبت بالفعل قبل القول أن البيت الخليجي أكبر من الحملات، وأقوى من الشائعات، وأن روابطه لا تُباع ولا تُشترى.

سيبقى الخليج أكبر من كل صوتٍ عابر، وأقوى من كل محاولة لزرع الفرقة بين أبناء البيت الواحد. فما يجمع شعوبه ليس مصالح مؤقتة أو علاقات هشة، بل تاريخٌ طويل من الأخوّة، والتكافل، والمواقف المشتركة، وروابط صنعتها الأيام قبل أن تكتبها الاتفاقيات.

قد يحاول البعض العبث بالمشاعر، أو استغلال الخلافات العابرة لإشعال نارٍ لا تخدم إلا الفوضى، لكنهم ينسون أن الخليج لم يُبنَ على الانفعال، بل على الحكمة، ولم يقف على أقدامه بالصدفة، بل بسواعد رجالٍ آمنوا أن الوحدة قوة، وأن التماسك صمّام أمان للمستقبل.

ومن هنا، فإن حماية هذا الإرث مسؤولية كل مواطن خليجي يعرف قيمة هذا الكيان، ويحمل في قلبه محبةً صادقة لأشقائه. فلنكن على قدر هذه الأمانة، ولنجعل من اختلافاتنا مساحة نضجٍ وحوار، لا ثغرةً ينفذ منها أصحاب الأجندات الضيقة.

وعلينا أن نُعلي من قيم الاتحاد والتعاون والتنسيق فيما بيننا، وأن نقف صفًا واحدًا في مواجهة أي عدوان خارجي يستهدف أمننا أو استقرار أوطاننا، فالقوة الحقيقية لا تكمن في الفرقة، بل في وحدة الموقف وتماسك الصف، وصون المصير المشترك، وأن لا نسمح للفئة المنحرفة الخبيثة أن تنخر في جسد الأمة، ولا أن تعبث بوحدتنا وترابطنا، فشعب الخليج هو الحصن الأول لأوطاننا، وبالوعي واليقظة تُحفظ الأوطان وتُصان من كل فتنةٍ أو محاولة تفريق.

وسيبقى الخليج كما كان -بإذن الله- بيتًا واحدًا؛ تجمعه المحبة، وتحرسه الحكمة، وتُثبّت أركانه شعوبٌ تعرف جيدًا أن ما بينها أكبر من أن تهزه كلمات عابرة أو محاولات صغيرة، مهما تبدلت الظروف وتعاظمت التحديات.

** محامٍ

الأكثر قراءة

z