الدبلوماسية العُمانية.. نهج وسياسة دولة

 

 

 

 

ناصر بن حمد العبري

لا يزال عالمنا تتصاعد فيه حدة النزاعات وتتعقد التحالفات، تحافظ سلطنة عُمان على مسار مختلف؛ مسار اختارته منذ عقود وجعل منها عنوانًا للحكمة والاتزان. فالدبلوماسية العُمانية لم تكن يومًا مجرد ردود أفعال، بل هي نهج دولة ومشروع سلام متكامل بُني على الحياد الإيجابي وبناء الجسور.

تُعدّ الدبلوماسية العُمانية واحدة من أكثر التجارب السياسية تميزًا واتزانًا في المنطقة. فقد استطاعت سلطنة عُمان أن ترسم لنفسها نهجًا خاصًا قائمًا على الحكمة والهدوء والحياد الإيجابي في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية. وهذا النهج لم يكن خيارًا تكتيكيًا فحسب، بل توجه استراتيجي عميق الجذور، ارتبط بتاريخ الدولة الحديثة منذ عهد السلطان قابوس بن سعيد، رحمه الله، الذي وضع أسس سياسة خارجية متزنة جعلت من عُمان صوتًا موثوقًا في عالم يموج بالصراعات.

وقد اعتمدت سلطنة عُمان على مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، سواء في الإقليم أو خارجه. هذه القدرة على التوازن بين القوى المتباينة مكّنت السلطنة من أداء دور الوسيط النزيه في العديد من الأزمات الحساسة، حيث كانت دائمًا منصة للحوار بدلًا من أن تكون طرفًا في النزاع.

وبرز هذا الدور بوضوح في ملفات إقليمية معقدة؛ إذ أسهمت عُمان في تقريب وجهات النظر وتهيئة الأجواء للتفاهمات السياسية بعيدًا عن الأضواء. وما يميز الدبلوماسية العُمانية ليس حيادها فقط، بل مصداقيتها العالية أيضًا؛ فقد استطاعت عبر سنوات طويلة أن تبني ثقة الأطراف المختلفة، وهو أمر نادر في بيئة سياسية تتسم بالتوتر وعدم الاستقرار. فالدول لا تلجأ إلى الوساطة إلّا إذا كانت تثق في نزاهة الوسيط، وقد أثبتت السلطنة قدرتها على الحفاظ على هذه الثقة من خلال التزامها بمبادئها وعدم انحيازها لأي طرف.

ومع تولي مولانا جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله- مقاليد الحكم، استمرت هذه السياسة بثبات، مع تطوير أدواتها بما يتناسب مع التحولات العالمية المتسارعة. فقد حرصت عُمان على تعزيز حضورها في المحافل الدولية، ودعم جهود السلام، والمشاركة في معالجة القضايا العالمية مثل الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة. كذلك الدبلوماسية العُمانية لا تقتصر على الجانب السياسي فقط، بل تمتد لتشمل الأبعاد الاقتصادية والثقافية.

وتسعى سلطنة عُمان إلى بناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وهذا التكامل في الأدوار يعكس فهمًا عميقًا لطبيعة العلاقات الدولية في العصر الحديث، ومع تزايد حدة الاستقطاب عالميًا، تبرز عُمان نموذجًا للدولة التي اختارت طريق العقل والحوار بدلًا من التصعيد والمواجهة. لقد أثبتت أن القوة الحقيقية لا تكمن في فرض النفوذ، بل في القدرة على التأثير الإيجابي وبناء السلام.

واليوم.. وعُمان تمضي في مسيرتها المتجددة بقيادة مولانا صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله- يبقى هذا النهج الدبلوماسي ثابتًا في جوهره، متجددًا في أدواته. ونؤكد أن رسالة عُمان للعالم واضحة: الحوار أولًا، والمصالح المشتركة أساس العلاقات، والسلام خيار لا بديل عنه؛ فالقوة الحقيقية ليست في الصوت العالي، بل في التأثير الهادئ الذي يصنع الفارق.

الأكثر قراءة

z