د. صالح الفهدي
ما بعثني على كتابة هذا المقال هو التفاعل الذي وجدته من ثلاثةٍ يمثلون ثلاث مراحل: المدرسة، والجامعة، والعمل، فهم في أعمارٍ مختلفةٍ، وكان تفاعلهم إثر نشري مقالًا: «المجتمع بين الاعتزال والفقد»، وسوف أستعرض ردودهم في البداية (سأنقلها كما وردت إلي) ثم أتحدث لم دفعني الثلاثة لكتابة المقال.
يقول هيثم (يمثل المرحلة المدرسية): «ما شاء الله، المقال جميل جدا وكلامه مؤثر. أعجبني كيف تكلمت عن المجتمع العماني زمان وكيف كان الناس يسألون عن بعضٍ ويساعدون بعضًا. الأسلوب واضح وسهل يصل للقلب. سلم قلمك».
ويقول أنس (يمثل المرحلة الجامعية): «شكرًا على هذا الطرح العميق والمؤثر. فعلًا لامست واقعًا نعيشه اليوم، وذكرتنا بصورة المجتمع العماني الأصيل الذي تربينا عليه، المبني على الترابط والتكافل، وكلامك يوقظ فينا مسؤولية أن لا نسمح لروح العزلة أن تغلب على قيمنا، ولا نغفل عن السؤال والتواصل الذي هو أساس الألفة بين الناس. وحقيقةً أنه بدون التواصل يبقى الناس مجرد بيوتٍ متجاورةٍ، لكن كلماتك تعيد التذكير بأن ترابط القلوب مطلب مهم في الحياة».
ونختم بما قاله الصلت (في بدايات مرحلة العمل): «صحيح، ويمكن النظر حتى في الأسرة الواحدة واجتماعها على مائدة الطعام، مما يغرس الألفة وينزل البركة، كما قال ﷺ: "اجتمعوا على طعامكم يبارك الله فيه"، واستغله كذلك النبي كي يعلم الطفل آداب الطعام، ويفهمه أنه مسؤول عن تصرفاته حين يشارك الآخرين، فالغياب بالانعزال المتعمد يجفف منابع الألفة، فيصبح الإنسان جل همه مصارعة الأيام والهموم، فلا أخ يخفف عنه ولا صديق يقاسمه».
هؤلاء الثلاثة مثلوا ثلاث مراحل عمريةٍ، دفعتني ردودهم لأكتب مقالًا تشخيصيا حول تلكم الردود، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: سعدت لأنهم معنيون بقضايا مجتمعهم، ولربما كان البعض يحسب أنهم -وهم في هذه الأعمار- غير مهتمين بمثل هذه القضايا الاجتماعية التي يظن أن الكبار هم المعنيون بمناقشتها والتحاور حولها وإيجاد الحلول لها.
إن اعتناء هؤلاء الثلاثة -وهم يمثلون ثلاث مراحل- يعني أنهم يمتلكون الشعور بالمسؤولية نحو المجتمع الذي نشأوا فيه، وأنهم يدركون أن المتغيرات التي لا تتوافق مع خصاله يجب ألا تستفحل في المجتمع، وهذا مؤشر إيجابي يشعرنا بالاطمئنان نحو المستقبل.
ثانيًا: أن الإنسان العماني يتوارث خصائص أصالته، ويقف في وجه كل متغيرٍ سلبي ينتهك تلك الأصالة، بغض النظر عن عمره، الأمر الذي يعني أن الإنسان العماني منذ بواكير عمره قد نشأ على سماتٍ متوارثةٍ تشكل ملامح الشخصية العمانية التاريخية، لهذا يثبت أنه -مهما كان عمره- فإنه يمتلك في داخله تلك الخصائص النبيلة التي يغلفها بغيرته عليها، وحرصه على تميز شخصيته العمانية.
ثالثًا: أن يقرأ هؤلاء مقالًا اجتماعيا فذلك مؤشر على اهتمامهم بمجتمعهم أولًا، ثم بالقراءة ثانيًا، ذلك لما يظن البعض أن الوسائل الحديثة التي تميل نحو الترفيه هي التي تستحوذ على اهتمام الجيل الحديث، فكيف به أن يقرأ مقالًا اجتماعيا ويتفاعل معه.
رابعًا: إن فعل القراءة ذاته هو مؤشر وعيٍ لدى الفرد، الأمر الذي ينمي من شخصيته، لهذا برهن هؤلاء الثلاثة -وهم يمثلون مراحل مختلفةً- أن فعل القراءة حاضر، وأنهم معنيون بالتفاعل والتجاوب مع معطياته.
يسوقنا ما سبق إلى أهمية عرض المقالات لطلبة المدارس والكليات، خاصةً تلك التي تناقش قضايا وطنيةً، والمنشورة غالبًا في الصحف المحلية (الورقية والإلكترونية)، من أجل تعزيز الوعي الوطني لدى الفرد، وتكريس الخصائص المميزة للمجتمع العماني من خلال الحوار والتفاعل.
إن إبقاء مختلف الأجيال العمانية على تماس مع قضايا مجتمعهم لأمر ذو أهميةٍ، من أجل نشأة المواطن المسؤول المعني بشؤون وطنه ومجتمعه، والحريص على عناصر هويته التاريخية.
