للعُمانيين فقط!

 

 

أ.د. هشام البحيري **

 

أكتبُ لكم من أرض الشمس، مقالي الأخير في هذه المنصة الإعلامية الفريدة- جريدة الرؤية الغراء- وذلك بعد مرور تسعة أشهر منذ قدومي من مصر للعمل أستاذَ إدارةِ الموارد البشرية للتدريس في برامج الدكتوراه والماجستير المُوجهة للطلاب العُمانيين.

واسمحوا لي أن أنقل لكم رؤيتي بعد هذه الفترة القصيرة التي قضيتها على هذه الأرض الطيبة والتي يتمتع أبناؤها بالخلق الجَمّ، والكرم والأصالة والنزاهة. لقد وجدت في عُمان طلابًا مُتعطشين للعلم، لكن للعلم الجديد والفريد.. وجدتُ طلابًا برغم مُعاناة بُعد المسافات ومشقة السفر، يُصرِّون على الحضور في أيام الجمعة والسبت- وهي أيام إجازاتهم من العمل- يحضرون لكي يتلقوا العلم، ولقد وجدت بينهم الكثير والكثير من الطلاب المتميزين والراغبين في تغيير أنفسهم، وتغيير أوضاعهم الوظيفية، وظروفهم المعيشية عن طريق اكتساب المعرفة، وما رصدته يجعلني أؤكد على أنَّ سلطنة عُمان تستطيع أن تغدو أكثر تقدمًا بين الشعوب العربية، وخاصةً بين دول الخليج متى ما اعتمدت على التعليم؛ لكون التعليم الركيزة الأساسية لنهضة أي أمة، والنبراس الذي يُنير لها الطريق في كافة المجالات الأخرى. والتعليم هو المسؤول الأول عن تطوير الاقتصاد العُماني، وتطوير جودة العمل في كافة المؤسسات العُمانية، وكافة القطاعات سواء قطاع الصناعة أو التجارة أو الزراعة أو الخدمات أو السياحة أو التعدين وغيرها من القطاعات.

ولا يجب أن تعتقد- عزيزي القارئ- أنَّ الأمر بهذه السهولة؛ حيث إن تطوير التعليم يحتاج إلى إدارة فعّالة لمنظومة التعليم بالكامل سواء المدرس أو المدرسة أو الجامعة أو المناهج أو البيئة التعليمية أو أنظمة الاختبارات والتقويم أو نظم وسياسات العمل في المدارس والجامعات أو نظم الحفاظ على الجودة والأصالة. وكل هذا يحتاج إلى نوعين من الخطط: خطط طويلة الأجل، وخطط قصيرة الأجل.

لكن ما نود الإشارة إليه، هو أنَّ الركيزة الأساسية لتطوير التعليم في سلطنة عُمان هي "المُعلم العُماني"، وهذا يتطلب إعداده على أيدي مجموعة من الخبراء المتميزين والقادرين على إكسابه المهارات والخبرات التعليمية بشكل متميز وسلس. كما يتطلب الأمر حُسن اختيار الراغبين والقادرين على العمل في هذه المهنة، وأن يكون ممن يؤمن بأنها رسالة وليست وظيفة تقليدية فقط. كما يتطلب تطوير التعليم، ألّا ننشغل بما يصفه البعض بـ"نظام الجودة"، والتي في الغالب هي مجموعة من الأوراق والملفات عديمة الجدوى، والغرض منها فقط ضياع الوقت وشغل المعلم طوال الوقت، وجعله يحيد عن مهمته الأساسية، ألا وهي: تطوير نفسه، ثم تطوير طلابه.

إنَّنا إذا أولينا الاهتمام بتطوير المعلم، سيتطور كل شيء في منظومة التعليم؛ سواء المناهج أو الاختبارات أو نظم التقويم، وغيرها.

إنَّ تطوير المعلم، يحتاج من الدولة أن ترفع شعار "التعليم للعُمانيين فقط"، وأن يتم قصر هذه المهنة على المُواطنين العُمانيين، وإحلالهم بديلًا عن المعلمين الأجانب من الجنسيات المختلفة خلال فترة زمنية ولتكُن 5 سنوات، وعندها وأمام ضغط الوقت، تستطيع قيادات التعليم أن تُفعِّل أنظمة تعليمية حديثة وأن تتابع عن كسب عمليات التدريس والتقويم، وأن تتأكد بنفسها من المناهج التي يتم تعليمها للمختصين في المجالات المختلفة.

ورؤيتي هذه نابعة من حرصي الشديد على رؤية دولة سلطنة عُمان في مصاف الأمم الكبرى، فهي تستحق هذه المكانة لما لديها من إمكانات بشرية ومادية؛ فهذا الشعب المُحترم، نعم يستطيع، يستطيع الاعتماد على ذاته وإمكاناته وقدراته في التحول والقفز نحو المستقبل.

ولذا أقترحُ على المسؤولين عن نظام التعليم في سلطنة عُمان، أن يتبنوا مبادرة- سأطلق عليها "إعادة تدوير مُخرجات التعليم"- بمعنى استغلال الفائض من الخريجين في بعض التخصصات، وإعادة توجيههم نحو عجز في بعض التخصصات الأخرى، ومنها بالطبع مهنة المعلم، ويجب أن يتم الاهتمام بالمراحل الأساسية للتعليم، وإحداث طفرة في التعليم الأساسي، ثم المراحل التعليمية الأخرى.

إنَّ هذه الأرض الطيبة، وبعد تجربة، يعمل بها بعض الوافدين- غير المُتميزين- والذين يمكن إحلالهم بالكثير من العُمانيين، بمجرد إفساح الطريق أمام المُعلمين العُمانيين، وأعضاء هيئة التدريس من الزملاء العُمانيين في الكثير من الجامعات والكليات التقنية، وأن يتم تبسيط إجراءات الترقِّي لهم وعدم وضع العراقيل أمامهم بحجة الحفاظ على الجودة. كما يجب الاهتمام باختيار المناصب القيادية في مجال التعليم، ومراعاة أن يتم اختيار القيادات التي تؤمن بالتعمين، وهذا يتطلب عقد العديد من ورش العمل لتدريب وتأهيل المعلمين العُمانيين على القيادة وأيضًا على إعداد البحوث، وكتابة المراجع العلمية، وتطوير المقررات الدراسية.

ولقد حاولتُ أن أفعل ذلك طوال تسعة أشهر كاملة، قضيتها في العمل بقطاع التعليم العالي، ولكن لم تتح لي الفرصة لتنفيذ ذلك؛ حيث لاحظتُ أنَّ بعض القيادات العُمانية وغير العُمانية تفضل في الكثير من الكليات والجامعات اللجوء للحل السهل ألا وهو (استقدام أجانب للعمل في العديد من المهن)، ومنها بالطبع التدريس، لكن الحل الأدق هو إعداد الكوادر العُمانية؛ فالبلد لن تُبنى إلّا بسواعد أبنائها، والدول لن تتقدم إلا على أيدي مواطنيها، وهذا يعني ينبغي أن نرفع شعار "للعُمانيين فقط" في الكثير من المهن ومنها بالطبع مهنة التعليم.

نعم تستطيع سلطنة عُمان من خلال فَهم واستیعاب الممارسات التعلیمیَّة للبلدان المتفوقة في مجال التعلیم. فلا مانع من الاستفادة ونقل تجارب الدول المتفوقة في التعليم مثل التجربة الفنلندیة، أو أسباب تفوُّق سنغافورة، ومن الممكن الاستفادة من إخفاقات بعض الدول مثل أستراليا، ولماذا تراجعت أستراليا في التعليم. كما يمكن للقيادات المسؤولة عن التعليم في سلطنة عُمان أن تستفيد من "البرنامج الدولي لتقییم الطلاب" International Student Assessment والذي يشمل تقويم أداء الطلاب في موضوعات: القراءة، والرياضيات، والعلوم، ثم يتم اختيار أفضل طلابها ممَّن تتراوح أعمارهم بين 14 و 16 عامًا لإعدادهم وتأھیلھم للمنافسة في مثل هذا البرنامج الدولي.

كما يجب الاهتمام بتطوير نظم تقويم الطلاب في مجالات الآداب والفنون، وترسیخ مفھوم المواطنة لدیھم، وتطوير قدراتهم الشخصية والاجتماعية، كما يجب الاهتمام بمراقبة الطلاب في مدارسهم، وجامعاتهم من أجل البحث والتنقيب عن الطلاب الموهوبين أصحاب الأفكار المُبدعة، لكي يتم الاهتمام بهم بصورة أكثر شمولًا، ووضع الخطط والاستراتيجيات للاستفادة من هؤلاء الطلاب والعمل على تمتين قدراتهم لكونهم النواة التي سترتكز عليها منظومة التعليم في المستقبل. كما يجب فهم المؤشِّرات والربط بين الأرقام وتحلیلھا، وتكوين نظرية جديدة حول ما تعنیه التربية الحديثة والذكية في هذا العصر.

وآخر جملة لي أقولها من هذه الأرض الطيبة.. إنَّ مستقبل سلطنة عُمان، لن يتحقق إلّا بسواعد أبنائها.

** أستاذ إدارة الأعمال بجامعة القاهرة، وخبير التطوير الشخصي والمؤسسي، ومستشار التمتين الإداري

الأكثر قراءة

z