د. محمد بن خلفان العاصمي
في زمن الثورة التقنية الحديثة ووسائل الإعلام الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بات الوصول إلى الناس أمراً في غاية السرعة والبساطة، فيكفي أن يكون لديك حساب في أحد التطبيقات حتى تستطيع نشر محتواك، وبضغطة زر قد تصل آراؤك إلى جميع بقاع العالم، وقد تحصل على الكثير من المتابعين لك من خلال ما تنشره على حسابك، لقد أصبح العالم قرية صغيرة جدًا لدرجة أن ما يحدث في أي مكان يمكن أن تراه وتتابعه بسرعة عجيبة وأنت في مكانك، هذا هو عصر التكنولوجيا التي باتت تتضاعف فيه المعلومات بشكل جنوني، وهو العصر الذي وضعنا في مرحلة مواجهة مع الحقيقة بأنَّ الحدود لم يعد لها وجود، وأن تجاوز الجغرافيا لا يحتاج لسفر طويل، وأن العالم بات أكثر قربًا.
في خضم هذه التطورات التقنية أحدثت وسائل التواصل الاجتماعي الكثير من الجدل في العالم، وساهمت بشكل واضح في رسم ملامح الحياة اليومية على وجه الأرض، ولم تقتصر الشهرة على الفنانين واللاعبين والعلماء فحسب كما كان الوضع قبل عشرين عامًا، بل إنَّ وسائل التواصل الاجتماعي قدمت مشاهير بكمية لا تصدق وبأعداد متابعين ضخمة، بل إنها أضافت العديد من الأسماء إلى قوائم المليونيرات حول العالم، ولمواكبة قدرة هذه التطبيقات على الانتشار اتجهت وسائل الإعلام إلى استخدامها والاستفادة حتى كادت تختفي الصحافة الورقية، وقد يحدث ذلك في القريب العاجل.
لقد أفرزت لنا هذه الوسائل وجوهًا من المستخدمين الذين يقدمون محتوى من خلالها بغض النظر عن نوعه، ومدى فائدته، هذه الوجوه التي بتنا نراها باستمرار على شاشات هواتفنا، أصبحت تخترق حياتنا بشكل اعتيادي، وظهرت مصطلحات لم نكن نسمع بها من قبل مثل مشاهير وبلوجر وتيكتوكر ويوتيوبر، وغيرها من المسميات الأخرى التي تعكس حالة الانجراف السريع والطوفان التقني الذي يجتاح العالم، وبطبيعة الحال فإنَّ هؤلاء الأشخاص الذين يقدمون المحتويات عبر هذه المنصات يسعون في المقام الأول لزيادة المتابعين والمتفاعلين معهم، ولذلك فإنَّ محتواهم يكون دائمًا متوافق مع هذا الاتجاه وهو سرعة الانتشار والتأثير.
ونحن كغيرنا من المجتمعات لن نكون استثناءً من هذا التحول الذي يعيشه العالم، فكل ما يجري في منصات التواصل الاجتماعي يصلنا، وما يحدث في العالم من حولنا يوثر علينا ويسبب تحولًا في الأفكار والسلوك المجتمعي، وحتى لا نقع فيما وقعت فيه كثير من المجتمعات التي استقبلت الأمر بشيء من التسليم المطلق فكانت النتيجة انسلاخ فكري وسقوط قيمي وضياع للمبادئ الأخلاقية والاجتماعية، وهذا وضع طبيعي عندما يترك المجتمع عرضه لكل شيء دون وجود خطاب أخلاقي توعوي، ودون وجود حماية فكرية موازية، ودون وعي حقيقي لمآلات الانسياق وراء هذا التغيير.
ليس كل من يظهر في هذه المنصات يستحق وصف المؤثر، فكثير ممن نشاهدهم لا يقدمون محتوى ذا تأثير وقيمة على مستوى الوعي والقيم والسلوك والفكر، وإنما هي مجرد تهريجات؛ فالمُؤثر هو صاحب رؤية ورسالة وهدف يسعى لتحقيقه من خلال هذا الفضاء الواسع، هو صاحب فكرة يريد إيصالها إلى الناس ليحدث التغيير في حياتهم، هو صاحب مبدأ لا يتبدل عندما تقابله فرص الكسب وزيادة المتابعين وكثرة نقرات الإعجاب، هو فرد أدرك أنَّ له دور في المجتمع يجب عليه أن يقوم به، هو شخص يرى في القيم والأخلاق خطوط لا يمكن تجاوزها، وأنها منهاج أساسي يسير عليه، هذا هو المؤثر الحقيقي الذي يستحق أن يقال له مؤثر.
أما من يقدمهم لنا البعض على أنهم مؤثرون وعندما ترى المحتوى الذي يقدمونه لا تجد سوى الضحك والرقص واقتناص الفرص على حساب قضايا المجتمع وأفراده والذين يمتهنون خلق الإثارة والجدل والباحثين عن المتابعين أما بشراء متابعين وهميين أو مسابقات زيادة المتابعين؛ فهؤلاء بعيدون من أن نسميهم مؤثرين، لذلك تجدهم يسقطون عند أول منعطف يكون فيه المال حاضرًا، ولا يبذلون جهدًا في التفكير حول أي مناسبة يدعون لها، فالمهم لديهم هو الحضور وفلاشات المصورين ونقرات المعجبين ومتابعات الجمهور، وكما قالت العرب (لكل ساقطة لاقطة).
علينا أن نتوقف قليلًا وأن نفكر بصوت عالٍ، وعلى المجتمع أن يعرف كيف يختار من يمثله ومن هي قدواته، فهذا الوضع ليس مجرد حالة عابرة بل هي سمة لصيقة من خلالها يمكن قياس مقدار الوعي المجتمعي، فالوعي هو نتاج خبرات وتجارب وثقافة وسلوك وتعليم، فلا تجعلوا من الحمقى مشاهير ولا تجعلوا منهم قدوات للأجيال القادمة، فلدينا من المؤثرين والمبدعين والقدوات من هم جديرون بأن يكونوا عنواناً لهذا الوطن وممثلين له، هؤلاء من لا يرضون بأن يهان الوطن في حضرتهم، ومن يعرفون ويدركون مغزى كل حدث، ويفكرون قبل كل خطوة يقدمون عليها ولا يتبعون القطيع.
