د. غالية بنت عيسى الزبيدي **
قرأنا قبل أيام الخبر السعيد بصدور مرسومٍ سلطاني سامٍ يقضي بمنح الجنسية العُمانية لمائتين وستةٍ وعشرين شخصًا، وكان من بينهم عالمُ جيولوجيا يمنيٌّ أمضى سنواتٍ من عمره في خدمة هذه الأرض.
لم يكن الخبرُ مجرّد رقمٍ يُضاف إلى سجلّ، بل كان حكايةَ وفاءٍ تُروى، ودليلًا هادئًا على أن البذور التي تُزرع بإخلاصٍ في تُربة عُمان، لا بدّ أن تُزهر يومًا، وإن طال انتظارُ الربيع.
في هذه البلاد، لا تُقاس الأعمال بضجيجها، بل بصدقها؛ ولا تُثمر الجهود على عجلٍ دائمًا، لكنها لا تضيع. كأن الأرض هنا تعرف أسماء الذين مرّوا عليها بصدق، فتحفظ خُطاهم في سرّها، ثم تعيدها إليهم ذات يومٍ حقًّا معلومًا، يأتيهم في وقته الذي كُتب له، لا في الوقت الذي استعجلوه.
ذلك العالم الذي ظلّ يعمل بصمتٍ، لم يكن يلاحق لحظة التكريم، بل كان منشغلًا بزرع أثره، فكان أن جاءه الحصاد حين نضجت السنابل. وهكذا هي عُمان؛ أرضٌ تُنصف العامل، وتُؤخّر الجزاء أحيانًا، لا إهمالًا، بل لأن للثمار أوانًا، وللحقوق دروبًا تمرّ بظروفٍ وأقدارٍ تتشكّل في سياقٍ أوسع من الرغبات الفردية.
قد يتأخر بعض الحقّ، وقد تتعثر بعض الخطى في زمنٍ تتشابك فيه التحديات محليًا وعالميًا، لكن ما يُزرع هنا لا يضيع؛ فمن يغرس فكرة، أو يقدّم جهدًا، أو يُخلص في عملٍ صغيرٍ كان أو كبير، إنما يضع بذرةً في أرضٍ تعرف كيف تحتفظ بالحياة.
والسنوات، وإن بدت صامتة، فإنها في باطنها تعمل، تُنضج، وتُعدّ لحظة الظهور.
ولعلّ الرسالة الأعمق في هذا المشهد أن الاستمرارية هي سرّ الحصاد. أن تؤمن بما تزرع، وأن تظلّ تسقيه بالصبر، ولو لم ترَ خضرته بعد. فليس كلُّ تأخّرٍ حرمانًا، ولا كلُّ صمتٍ غيابًا، بل قد يكون امتلاءً خفيًا يُمهّد لظهورٍ أجمل.
في ظلّ قيادةٍ حكيمة، وسعيٍ حثيثٍ لحفظ الحقوق وصون الكرامة، تبقى هذه الأرض وعدًا مفتوحًا لكل من يزرع فيها بصدق.
هنا، لا يُنسى العطاء، ولا يُهمل الأثر، بل يُعاد إلى صاحبه يومًا، مكتملًا كما ينبغي.
فازرع، وامضِ، ولا تُثقل قلبك بموعد الحصاد؛ ففي عُمان، الحقّ ينمو ولو تأخّر.
** شاعرة وكاتبة
