صبحي حسن
هذه السلسة التي عنونتها بـ"أركانيات" هي إطلالات أبو أركان المبثوثة في وسائل التواصل الاجتماعي، قصص لا تُحكى غالبًا فتُنسى ثم تفلطح وتدفن. عندما استمعت إليه لأول مرة في بدايات طوفان الأقصى كان شخصًا متميزًا رغم بساطته وعفويته وهذا ما جذبني إليه، فبدأت بمتابعته أترصد مقاطعه المؤثرة التي تحتوي على عبرة وعظة ودروس من التاريخ والمعاناة من أرض المعاناة والصمود. هذه ليست أول مقالة أكتبها عنه، لكنني أحببت أن أواصل هذا العمل بعنوان دائم على شكل سلسلة. ما أقوم به هو نسخ ما يقوله، ثم كتابته مضموناً مع الاحتفاظ بالنص قدر الإمكان، فهو يتحدث باللهجة والسليقة الفلسطينية الأصيلة والجميلة.
إن ما شاهدناه في غزة لأكثر من عامين من أحداث مهولة من قتل ودمار وتجويع وحصار، ما هو إلا الظاهر، التفاصيل والقصص التي وراءها أدهى وأمر. كثيرٌ منا لا يعرف التفاصيل المبطنة في فضاءات وساحات الأخبار فيكتفى بالعناوين البارزة وما يقوله المحللون والخبراء ثم ينسى الحدث كأنه لم يكن. لدينا 24 ساعة فقط في اليوم لا يزيد ولا ينقص مقسم ما بين هذا وذاك، البعض يقول إنه يوم طويل والآخر يقول انه يوم قصير، المهم ما تحفره تلك الساعات فينا وتؤثره، وكيف نستثمرها. أقتنص تلك التفاصيل المخفّية وما يعتمل في نفوس أصحابها من قصص وحكايات مدفونة، وعند أول فرصة تسنح لي أكتبها، والله ولي التوفيق وبه نستعين.
يُحيي اليهود ذكرى الهولوكوست (المحرقة النازية الألمانية- يوم هشوا) في إبريل من كل عام، حيث تطلق فيها صفارات الإنذار وتتوقف فيها الحياة العامة دقيقتين صمتا. بينما يحيي العالم ما يسمى باليوم العالمي للإحياء الهولوكوست في السابع والعشرين من يناير، يتم فيه توثيق قصص الناجين والتمرد الذي قاموا به ضد الألمان في برلين والمناطق التي احتلها النازيون في الأربعينيات خلال الحرب العالمية الثانية (1939- 1945).
أبو أركان وكعادته لا يترك مثل تلك المناسبات دون أن تكون له بصمته وصيحته، فلسطيني غزاوي أبًا عن جد أصيل، ليس مهاجرا ولا مستوطنا، في طلّته الهولوكوستية المستحدثة وببصمته ولهجته الفلسطينية الأصيلة... إليكموه.
انتشر مؤخرا فيديو حاز على مشاهدات عالية، لصفارات إنذار تدوي في الكيان المحتل وخروج الناس إلى الشوارع واقفين كالأصنام منكسي رؤوسهم دقيقتي صمت. عندما يقفون يعتقدون أنهم بتلك الحركات سوف يكسبون تعاطف العالم. ولكن هذه الوقفة هي أكبر خيبة لتاريخهم كله ودليل قاطع وبختم النسر (شعار الألمان) من غير أن يقصدوه أنهم كانوا بعيدين آلاف الكيلومترات غربا عن فلسطين. فعندما كانت الأفران تشتعل بالقتل والتعذيب في أوروبا، كان جاري أبو طافش يقطف الزيتون، وكانت عمتي أم عزوز يرحمها الله تطرز ثوبها مجدل (1)، وكان عمي يصيد السمك في بحر يافا، يحدث ذلك في فلسطين شرقاً.
إنهم يقدمون للعالم دليلاً على أن خروجهم من جغرافية أوروبا ومجيئهم وهجرتهم إلى أرض فلسطين، هي أرض لم تر وجوههم مطلقا إلا بالبوارج والأسلحة... ثم يقفون دقيقتي صمت. لكن صمتهم هذا يصرخ ويقول كنا أغرابا في بلاد أخرى وجئنا إلى فلسطين لنسرق أرضها وأهلها. إن ما يجعل الدم يغلي في العروق هو كثرة النفاق وخداعهم للعالم بوقوفهم بهاتين الدقيقتين، بينما من سنتين وهم ينفذون محرقة في غزة بأبشع ما يمكن تخيله وتصوره، بالبث المباشر وعلى الهواء من خلال جيوشهم وطائراتهم ودباباتهم.
سنتان ونحن نحترق ونقتل بصواريخهم، نموت من الجوع والعطش وبحصارهم الخانق.. ثم ينوحون على مأساة مضت عليها عشرات السنين لم نكن طرفاً فيها، ويشعلونها في غزة والضفة بأيديهم بشكل بشع في كل دقيقة.
الدم الفلسطيني الذي ينزف اليوم في غزة والضفة، يكشف للعالم بأسره كذبهم وادعاءهم بأنهم كانوا ضحايا، بل هم الشيطان بعينه وجلادون يمارسون الدور نفسه على أصحاب الأرض الأصليين في غزة.
لكن تذكروا.. نحن لا نحتاج إلى صفارة إنذار كي تذكرنا من نحن، لأن شجرة الزيتون التي قلعوها تحكي أسماءنا، والتراب الذي تحت أقدامهم وأرجلهم يعرف ريحة عرقنا، هم ضيوف ثقلاء الدم وغير مرحب بهم، ومحرقتهم التي قاموا بها من سنيتن وحتى اليوم تشهد وستشهد أن أصحاب هذه الأرض لن يسكتوا عن حقهم ولو وقف العالم كله دقيقتي صمت، فنحن باقون هنا.. لا نحترق.. ولا ننتهي.
****
(1) مجدل أو الثوب المجدلاوي: هو لباس تقليدي فلسطيني عريق، ينسب إلى مدينة المجدل وعسقلان، يتميز بقماشه المنسوج يدويًا المكون من خطوط طولية ملونة (غالبًا أزرق، بنفسجي، أخضر، برتقالي) على قاعدة من القطن أو الكتان. يمثل الثوب جزءًا أساسيًا من التراث المادي الفلسطيني يلبس في المناسبات والحياة اليومية، ويتميز بتطريزات دقيق وجميلة.
